.
مسقط : لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الطائرات التي أسقطت، أو المواقع التي دُمّرت، أو مساحة الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها. فمع تطور التكنولوجيا العسكرية، وظهور الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والأسلحة الدقيقة، أصبحت المعادلة أكثر تعقيدًا: قد يملك طرفٌ تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنه يعجز في الوقت نفسه عن تحويل هذا التفوق إلى نصر سياسي حاسم.
وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية: هل تغيّرت طبيعة الحروب الحديثة من البحث عن الحسم العسكري إلى استنزاف الخصم وإطالة أمد الصراع؟
تكشف الحروب والصراعات الأخيرة عن تحول واضح في شكل المعركة. فالتكنولوجيا لم تجعل الحرب بالضرورة أقصر، بل جعلتها أكثر قدرة على الاستمرار بأدوات أقل تكلفة وأكثر انتشارًا. وأصبحت الطائرات المسيّرة، على وجه الخصوص، عنصرًا رئيسيًا في الاستطلاع والهجوم واستهداف الإمدادات والبنية التحتية، إلى جانب استخدامها في عمليات يصعب على الجيوش التقليدية مواجهتها بالكفاءة نفسها. وتشير تحليلات حديثة إلى أن انتشار المسيّرات منخفضة التكلفة أحدث تحولًا في اقتصاديات الحرب، بعدما أصبحت بعض المنظومات الرخيصة قادرة على فرض كلفة أكبر بكثير على الطرف المدافع.
في أوكرانيا، على سبيل المثال، لم يعد التفوق مرتبطًا فقط بامتلاك الدبابات والطائرات والصواريخ بعيدة المدى، بل بقدرة كل طرف على إنتاج أعداد كبيرة من المسيّرات، وتطويرها بسرعة، والتكيف مع وسائل التشويش والحرب الإلكترونية. ومع استمرار الجمود الميداني رغم سنوات القتال، تحولت التكنولوجيا إلى سباق مستمر بين الهجوم والدفاع، وبين تطوير سلاح جديد وإيجاد وسيلة أرخص لتعطيله.
وهذا التحول يغيّر مفهوم القوة نفسه.
ففي الحروب التقليدية، كان امتلاك سلاح أكثر تطورًا يعني غالبًا امتلاك أفضلية واضحة. أما اليوم، فقد يصبح السؤال: كم تبلغ تكلفة السلاح الذي تستخدمه مقارنة بتكلفة السلاح الذي يواجهك؟
صاروخ دفاعي متطور قد يكلف ملايين الدولارات لاعتراض هدف جوي منخفض التكلفة، بينما يستطيع الطرف المهاجم إطلاق عشرات أو مئات المسيّرات في محاولة لإشباع منظومة الدفاع واستنزاف مخزونها. ولهذا بدأت دول غربية في تطوير منظومات جديدة مضادة لهجمات المسيّرات الجماعية، في اعتراف بأن الدفاع التقليدي أصبح يواجه مشكلة اقتصادية بقدر ما يواجه مشكلة عسكرية
لكن المسألة لا تتعلق بالمال وحده.
فالطرف الأضعف عسكريًا لم يعد مضطرًا إلى مواجهة خصمه بالطريقة نفسها. يستطيع استخدام المسيّرات والصواريخ والحرب الإلكترونية والهجمات بعيدة المدى لاستهداف خطوط الإمداد والمنشآت الحيوية، وتحويل الحرب إلى معركة طويلة الأمد تهدف إلى إنهاك الخصم بدلًا من هزيمته في مواجهة مباشرة.
وهنا يصبح الاستنزاف استراتيجية، وليس مجرد نتيجة للحرب.
التطور التكنولوجي منح الجيوش الكبرى قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى أهداف بعيدة وتقليل المخاطر على جنودها، لكنه لم يحل المشكلة الأقدم في تاريخ الحروب: كيف تجبر خصمك على قبول شروطك؟
فقد تستطيع تدمير منصات إطلاق الصواريخ، وتعطيل المطارات، واستهداف مراكز القيادة، وشل جزء كبير من البنية العسكرية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر سيتوقف عن القتال. وفي بعض الحالات، قد تدفع الضربات العسكرية الخصم إلى تغيير تكتيكاته بدلًا من الاستسلام، فينتقل من مواجهة مباشرة إلى عمليات أكثر تشتتًا وأقل تكلفة.
ومن هنا تتراجع أهمية السؤال: من يملك السلاح الأفضل؟
ويحل محله سؤال آخر: من يستطيع الاستمرار لفترة أطول؟
هذه الفكرة تظهر بوضوح في ساحات القتال الحديثة، حيث أصبحت القدرة على إنتاج السلاح واستبداله وتحديثه بسرعة جزءًا أساسيًا من القوة العسكرية. وفي أوكرانيا، أدى التطور السريع للمسيّرات إلى ظهور دورة جديدة من الابتكار، إذ تنتقل الخبرة من الميدان إلى الشركات المصنعة، ثم تعود إلى الجبهة في صورة تقنيات وتعديلات جديدة خلال فترات زمنية قصيرة.
وبذلك لم تعد الحرب معركة بين جيوش فقط، بل أصبحت أيضًا معركة بين المصانع وسلاسل الإمداد والاقتصادات وقدرات الابتكار.
حتى الجيوش الكبرى بدأت تعيد النظر في عقائدها العسكرية. فالولايات المتحدة، التي أنفقت لعقود مبالغ ضخمة على المنصات المتطورة والطائرات المقاتلة والأسلحة الدقيقة، تتجه بشكل متزايد إلى توسيع استخدام المسيّرات منخفضة التكلفة والأنظمة غير المأهولة. وأعلنت قوات مشاة البحرية الأمريكية، على سبيل المثال، خططًا للتوسع في استخدام طائرات FPV المسيّرة، مع السعي إلى إنتاج أعداد ضخمة منها خلال السنوات المقبلة.
هذا لا يعني أن عصر الطائرات المقاتلة والدبابات والسفن الحربية انتهى. لكنه يعني أن هذه المنظومات لم تعد تعمل وحدها. فالحرب الحديثة تتجه نحو مزيج من الأنظمة المأهولة وغير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع المستمر، والأسلحة الدقيقة، والمسيّرات الرخيصة التي يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة.
وبالتالي، فإن التفوق العسكري لم يعد ضمانة تلقائية للنصر.
يمكنك أن تنتصر في المعركة، وتخسر الحرب. ويمكنك أن تدمر قدرات خصمك، دون أن تتمكن من تغيير سلوكه.
وهذه ربما تكون أكبر مفارقة في الحروب الحديثة: التكنولوجيا جعلت الوصول إلى الخصم أسهل، لكنها لم تجعل الوصول إلى النصر السياسي أسهل بالضرورة.
فالنصر الحقيقي لا يتحقق عندما تُدمَّر أكبر كمية من الأهداف، بل عندما تتحول القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار. وإذا لم يحدث ذلك، فقد تتحول الحرب إلى دائرة من الضربات والردود، واستنزاف المخزونات، وإعادة بناء القدرات، وتطوير أسلحة جديدة لمواجهة أسلحة جديدة.
لذلك، فإن السؤال الذي ستواجهه الجيوش في السنوات المقبلة لن يكون فقط: من يملك التكنولوجيا الأكثر تطورًا؟
بل: من يملك القدرة على تحمل حرب طويلة، وإنتاج أسلحة أكثر، واستبدال خسائره بسرعة، وتحقيق أهداف سياسية قبل أن يتحول التفوق العسكري نفسه إلى عبء اقتصادي واستراتيجي؟
ربما تكون هذه هي طبيعة الحرب الجديدة: لم يعد الانتصار مرتبطًا فقط بمن يضرب أقوى، وإنما بمن يستطيع الصمود أكثر.