.
مسقط : لم تعد المحميات الطبيعية في سلطنة عُمان مجرد مناطق تُخصص لحماية الحياة الفطرية والحفاظ على الأنواع والموائل الطبيعية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منظومة متكاملة تجمع بين صون التنوع الأحيائي، ودعم البحث العلمي، وتشجيع السياحة البيئية، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، بما ينسجم مع مستهدفات الاستدامة ورؤية عُمان 2040.
وتضم سلطنة عُمان حتى عام 2025 نحو 32 محمية طبيعية، موزعة بين 13 محمية برية، و5 محميات بحرية، و13 محمية برية وبحرية، بإجمالي مساحة محمية تبلغ نحو 17,839.57 كيلومترًا مربعًا. ويعكس هذا الانتشار تنوع البيئات الطبيعية في السلطنة، من الجبال والصحارى إلى السواحل والجزر والبيئات البحرية. (هيئة البيئة)
وتشهد منظومة المحميات توسعًا مستمرًا، حيث ناقشت لجنة المحميات الطبيعية في مايو 2026 عددًا من المشاريع والمواقع الجديدة ذات الأهمية البيئية والوطنية، إلى جانب متابعة المحميات المقترحة، في توجه يستند إلى أسس علمية ومستدامة ويهدف إلى تعزيز الإدارة المتكاملة للمناطق الطبيعية ذات القيمة البيئية. (هيئة البيئة)
ولم يعد مفهوم الحماية قائمًا على عزل الطبيعة عن الإنسان، وإنما على إدارة العلاقة بينهما بصورة أكثر توازنًا. وتعمل هيئة البيئة على تطوير خطط الإدارة والرصد البيئي، والاستفادة من التقنيات الحديثة والبيانات العلمية في متابعة الأنواع والموائل الطبيعية، إلى جانب تنظيم الأنشطة داخل المحميات بما يحافظ على سلامة النظم البيئية.
وتبرز السياحة البيئية كأحد المسارات التي تشهد اهتمامًا متزايدًا، إذ أصبحت بعض المحميات جزءًا من التجربة السياحية والطبيعية في سلطنة عُمان، مع التأكيد على أن الاستفادة من هذه المواقع تتم وفق ضوابط تضمن حماية المناطق الحساسة والموائل الطبيعية.
وتعد محمية الجبل الأخضر مثالًا واضحًا على هذا التوجه؛ إذ تشمل أهدافها حماية التنوع الأحيائي، وتشجيع السياحة البيئية المستدامة، والحد من التأثيرات البشرية غير المرشدة، إلى جانب تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع المحلي بطريقة مستدامة. (هيئة البيئة)
ويمتد هذا النهج إلى المحميات البحرية أيضًا، ومن أحدث الأمثلة محمية المنطقة البحرية العازلة حول جزر الحلانيات التي أُنشئت بموجب المرسوم السلطاني رقم 96/2025. وتغطي المحمية نحو 667 كيلومترًا مربعًا، وتضم بيئات بحرية متنوعة تشكل موائل للسلاحف البحرية والحيتان والدلافين والطيور البحرية، مع تنظيم دخول الجمهور والأنشطة الاقتصادية بما يحقق التوازن بين حماية البيئة ومتطلبات التنمية. (هيئة البيئة)
وفي جانب آخر، عززت سلطنة عُمان حضورها الدولي في مجال حماية الطبيعة، مع إدراج محمية الجبل الأخضر ومحمية السرين ضمن الشبكة العالمية لمحميات الإنسان والمحيط الحيوي التابعة لليونسكو في عام 2025.
ويمثل هذا الإدراج تحولًا مهمًا في مفهوم إدارة المحميات، إذ تقوم محميات الإنسان والمحيط الحيوي على التكامل بين المناطق الأساسية للحماية، والمناطق العازلة، والمناطق الانتقالية التي يمكن أن تشهد أنشطة بشرية واقتصادية مستدامة، مع إشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد الطبيعية. (هيئة البيئة)
كما تفتح هذه المنظومة المجال أمام البحث العلمي والتعليم البيئي والسياحة المسؤولة، وتدعم فرص التعاون الدولي في مجالات التنوع الأحيائي والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية.
ولا تتوقف جهود تطوير المحميات عند إعلان مواقع جديدة، إذ تتجه السلطنة إلى تعزيز الإدارة الميدانية، وتحديث خطط إدارة المحميات، وتطوير برامج الرصد واستعادة الموائل الطبيعية، إلى جانب زيادة مشاركة المجتمع المحلي في حماية الموارد والاستفادة منها بصورة مستدامة.
وتحمل هذه التحولات بُعدًا اقتصاديًا متزايدًا، فالسياحة البيئية والخدمات المرتبطة بها يمكن أن توفر فرصًا للمجتمعات المحلية في مجالات الإرشاد البيئي، والضيافة، والخدمات السياحية، والحرف والمنتجات المحلية، إضافة إلى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالطبيعة.
وبذلك، لم تعد المحميات الطبيعية في سلطنة عُمان تمثل حدودًا تفصل الإنسان عن الطبيعة، بل أصبحت نموذجًا لإدارة الموارد الطبيعية بطريقة تحقق أكثر من هدف في الوقت نفسه؛ حماية التنوع الأحيائي، والحفاظ على الموروث الطبيعي، ودعم السياحة، وتمكين المجتمعات المحلية، وتعزيز البحث العلمي.