.
مسقط : تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة على ماليتها العامة، مع تجاوز الدين الوطني حاجز 40 تريليون دولار، بالتزامن مع بقاء عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة، ما يرفع تكلفة الاقتراض الحكومي ويزيد من أعباء خدمة الدين.
وفي تحرك يستهدف تحسين السيولة في سوق السندات طويلة الأجل، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية مضاعفة الحد الأقصى لعمليات إعادة شراء سندات الخزانة من 2 مليار دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، على أن يبدأ تطبيق ذلك اعتبارًا من 9 سبتمبر.
وتأتي هذه الخطوة في وقت سجلت فيه عوائد سندات الخزانة مستويات مرتفعة؛ إذ بلغ عائد السندات لأجل 10 سنوات 4.72% في 24 أغسطس، بينما وصل عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى 5.31%، وفق بيانات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
لكن.. لماذا أصبحت ديون الولايات المتحدة أكثر كلفة؟
يرتبط ذلك بشكل رئيسي باتساع العجز المالي، وارتفاع حجم الدين الحكومي، إلى جانب توقعات الأسواق بشأن التضخم والسياسة النقدية والاحتياجات التمويلية للحكومة الأمريكية.
وبحسب مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي، بلغ العجز الفيدرالي نحو 1.8 تريليون دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2026، فيما يُتوقع أن يصل العجز إلى نحو 1.9 تريليون دولار في كامل السنة المالية.
ولا تتوقف المشكلة عند حجم العجز، إذ أصبحت فوائد الدين نفسها عبئًا متزايدًا على الموازنة. فقد تجاوز صافي مصروفات الفائدة على الدين العام تريليون دولار خلال السنة المالية 2025 للمرة الأولى، وفق مكتب الميزانية في الكونغرس.
ومع استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، تصبح إعادة تمويل الديون المستحقة أكثر تكلفة، ما يعني أن جزءًا أكبر من إيرادات الحكومة يذهب إلى خدمة الدين بدلًا من تمويل البرامج والإنفاق العام.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع وصول إجمالي الدين الوطني الأمريكي إلى 40 تريليون دولار، وهو مستوى قياسي يعكس سنوات من العجوزات المالية المتراكمة.
وفي المقابل، لا تعني زيادة عمليات إعادة شراء سندات الخزانة أن واشنطن وجدت حلًا لمشكلة الدين؛ فالخزانة الأمريكية تقول إن عمليات إعادة الشراء تستهدف تحسين السيولة ودعم كفاءة سوق الخزانة، وليس معالجة العجز المالي أو خفض الدين بشكل مباشر.
كما أن ارتفاع العوائد لا يرتبط بقرار واحد لوزارة الخزانة أو الاحتياطي الفيدرالي، بل يعكس نظرة المستثمرين إلى مجموعة واسعة من العوامل، بينها حجم الاقتراض الحكومي، ومسار التضخم، وتوقعات أسعار الفائدة، وقوة الاقتصاد الأمريكي، ومدى قدرة الحكومة على السيطرة على العجز مستقبلًا.
وتكشف بيانات الخزانة الأمريكية كذلك أن المستثمرين الأجانب لا يزالون يشترون الأصول الأمريكية؛ فقد سجلت الولايات المتحدة في يونيو صافي مشتريات أجنبية قوية للأوراق المالية الأمريكية طويلة الأجل، ما يعني أن الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد تراجع الطلب الأجنبي على الدين الأمريكي.
ومع ذلك، فإن استمرار الدين والعجز عند مستويات مرتفعة يضعان واشنطن أمام تحدٍ طويل الأمد؛ فكل ارتفاع في تكلفة الاقتراض يعني زيادة في فاتورة الفوائد، وكل زيادة في الفوائد قد تضيف مزيدًا من الضغط على الموازنة.
وبينما تحاول وزارة الخزانة تحسين ظروف سوق السندات، يبقى السؤال الأكبر أمام الإدارة الأمريكية: هل تستطيع واشنطن كبح نمو الدين والعجز قبل أن تصبح تكلفة خدمتهما عبئًا أكبر على الاقتصاد الأمريكي؟
مصادر: وزارة الخزانة الأمريكية، الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي، ولجنة الموازنة في مجلس النواب الأمريكي.