سلطنة عُمان وبريطانيا.. إرثٌ تاريخي يتجدد وشراكة استراتيجية ترسم آفاق المستقبل

.

Author
Al Sawt

أكتوبر 19, 2026

Shareشارك

مسقط : تجسّد العلاقات العُمانية البريطانية نموذجًا للشراكات الدولية التي استطاعت الحفاظ على رسوخها التاريخي ومواكبة التحولات السياسية والاقتصادية، مستندةً إلى إرث دبلوماسي يمتد لأكثر من قرنين، ورؤية مشتركة لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتوسيع مجالات التعاون في مختلف القطاعات.

وتكتسب هذه العلاقات أهمية متجددة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة والعالم، إذ لم تعد تقتصر على أبعادها السياسية والدبلوماسية والأمنية، بل امتدت لتشمل الاستثمار والتجارة والطاقة المتجددة والتعليم والتكنولوجيا، بما يعكس توجه البلدين نحو بناء شراكة أكثر تنوعًا واستدامة.

وتُمثّل الزيارة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى المملكة المتحدة محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، بوصفها أول زيارة دولة لسلطان عُماني إلى المملكة المتحدة منذ عام 1982، بما تحمله من دلالات سياسية ودبلوماسية تعكس مكانة هذه العلاقات وحرص الجانبين على الارتقاء بها إلى آفاق أوسع.

وقد أسهمت الاتفاقيات الثنائية وآليات التشاور المنتظمة في ترسيخ هذه الشراكة، ومن أبرزها اتفاقية التعاون الشامل الموقعة عام 2019، إلى جانب مجموعة العمل العُمانية البريطانية المشتركة التي عقدت دورتها الثامنة عشرة في مسقط خلال سبتمبر 2025، بما يعزز استمرارية الحوار والتنسيق بين البلدين.

وفي تصريحات لوكالة الأنباء العُمانية، أكد عدد من الباحثين والمختصين في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية أن الزيارة السامية تعكس عمق الروابط التاريخية بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة، وتتيح فرصة لتعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي والاستراتيجي، بما يتواكب مع المتغيرات الإقليمية والدولية ومتطلبات المرحلة المقبلة.

إرث تاريخي ومصالح استراتيجية متجددة

وقال المكرم عوض بن سعيد باقوير، عضو مجلس الدولة، إن العلاقات العُمانية البريطانية تُعد من العلاقات التاريخية الراسخة التي تمتد جذورها لأكثر من قرنين، مشيرًا إلى أن اتفاقيات الصداقة والتعاون أسهمت في إرساء أسس التواصل بين البلدين، وتعزيز مسارات التشاور السياسي والزيارات المتبادلة على المستويات العليا.

وأوضح أن الموقع البحري والاستراتيجي لكل من سلطنة عُمان والمملكة المتحدة أسهم في تعزيز التواصل التجاري والحضاري بينهما، لافتًا إلى أهمية الموقع العُماني المطل على بحر عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي، وقربه من مضيق هرمز، في مقابل الأهمية البحرية للمملكة المتحدة وموقعها الاستراتيجي.

وأضاف أن العلاقات بين البلدين شهدت تطورًا ملحوظًا منذ بداية النهضة العُمانية عام 1970، واستمرت في التوسع خلال عهد النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، لتشمل مجالات الدفاع والاقتصاد والتعليم ونقل التكنولوجيا، إلى جانب التعاون السياسي والدبلوماسي.

وأشار إلى أن السياسة الخارجية للبلدين تتسم بالتشاور المستمر بشأن القضايا الجيوسياسية، وأمن الملاحة البحرية، والتحديات الإقليمية والدولية، مؤكدًا أن العلاقات الثنائية تستند إلى إرث سياسي وتاريخي أسهم في تعزيز التواصل والتفاهم بين الجانبين.

وبيّن أن جمعية الصداقة العُمانية البريطانية والزيارات المتبادلة بين المسؤولين تؤدي دورًا مهمًا في دعم التعاون، وتوسيع مجالات الشراكة بما يخدم المصالح المشتركة.

وفيما يتعلق بالتطورات الإقليمية، أكد باقوير أهمية استمرار التنسيق السياسي والدبلوماسي بين مسقط ولندن، خصوصًا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وأمن منطقة الخليج العربي، مشيرًا إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب تكثيف الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية على الصراعات.

وأضاف أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة تفرض تحديات متزايدة على دول المنطقة، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى الحكمة والحوار وتنسيق الجهود الدولية للوصول إلى تسويات سياسية مستدامة.

شراكة تتجاوز التاريخ إلى إعادة صياغة المصالح

من جانبه، أكد الدكتور عبدالله بن صالح باعبود، الأكاديمي المختص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج والشرق الأوسط، أن الزيارة السامية إلى المملكة المتحدة تعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، وتمثل فرصة مهمة لتطوير الشراكة الاستراتيجية وتعزيز أدواتها بما يتناسب مع المتغيرات الدولية.

وأوضح أن العلاقات العُمانية البريطانية تتميز بطابع خاص يتجاوز مفهوم التحالفات التقليدية، إذ تقوم على شراكة تاريخية متجذرة، مع حرص سلطنة عُمان على صون سيادتها الوطنية واستقلالية قرارها السياسي في ظل التحديات الإقليمية والدولية.

وأشار إلى أن التعاون بين البلدين يشمل مجالات السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والتجارة والدفاع، وقد شهد عام 2019 تطورًا مؤسسيًا مهمًا من خلال الاتفاقيات التي عززت أطر التعاون، فيما أسهمت شراكة الاستثمار السيادي في يناير 2022 في توسيع البعد الاقتصادي للعلاقات الثنائية.

وأضاف أن تطور هذه الاتفاقيات يعكس انتقال العلاقات من إطارها التاريخي إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل التكنولوجيا والتعليم والصحة والثقافة والابتكار، بما يؤكد أن العلاقة بين البلدين تقوم على مصالح مشتركة قابلة للتوسع والتجدد.

وفي الشأن الإقليمي، أشار باعبود إلى وجود تقاطعات في مواقف البلدين بشأن أهمية دعم المسارات السياسية والدبلوماسية لمعالجة الأزمات، لافتًا إلى أن السياسة العُمانية تقوم على الحياد الإيجابي وعدم التدخل في شؤون الآخرين، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف.

وأكد أن خصوصية النهج العُماني تكمن في القدرة على الفصل بين الشراكات الاستراتيجية والاصطفافات السياسية، موضحًا أن التعاون الوثيق مع دولة ما لا يعني بالضرورة تبني مواقفها كافة أو الدخول في خلافاتها مع أطراف أخرى.

وأضاف أن هذا النهج يعزز قدرة سلطنة عُمان على أداء أدوار دبلوماسية فاعلة، ويدعم جهودها في تهيئة الظروف الملائمة للحوار والتوصل إلى حلول سياسية للأزمات الإقليمية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، لفت إلى أن العلاقات العُمانية البريطانية اكتسبت زخمًا متزايدًا في ظل التوجه نحو تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، مشيرًا إلى أهمية الاستثمارات البريطانية في الاقتصاد العُماني، والفرص المتاحة في قطاعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وغيرها من المجالات الواعدة.

وأكد أن الشراكة بين البلدين تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي، مشددًا على أن تعزيزها يمثل استثمارًا في الاستقرار والمصالح المشتركة، وليس مجرد امتداد للعلاقات التاريخية.

من الشراكة الأمنية إلى آفاق الاقتصاد الأخضر

بدوره، قال الدكتور عمران بن محمد العبري، رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة السلطان قابوس، إن العلاقات العُمانية البريطانية تُعد من أقدم العلاقات المستمرة في المنطقة، إلا أن طبيعتها ومضامينها شهدت تحولات متعاقبة ارتبطت بتغير موازين القوى وتطور النظام الدولي.

وأوضح أن هذه العلاقات عكست، في مراحل مختلفة، طبيعة التحولات الدولية؛ ففي فترات الهيمنة البريطانية كانت لندن شريكًا رئيسًا لمسقط، ثم اكتسبت العلاقات بُعدًا أمنيًا خلال الحرب الباردة، قبل أن يشكل الانسحاب البريطاني من شرق السويس بين عامي 1968 و1971 محطة مفصلية في مسارها.

وأشار إلى أن النهج العُماني في إدارة العلاقة مع المملكة المتحدة يمكن فهمه من خلال ما وصفه بالحياد الإيجابي والتحوّط المركّب، القائمين على الفصل بين الملفات المختلفة، وإدارة التباينات بعيدًا عن التصعيد الإعلامي، وتوظيف العلاقات الدولية في دعم جهود الوساطة والحلول الدبلوماسية.

وبيّن أن هذا النهج أسهم في تعزيز مكانة سلطنة عُمان شريكًا موثوقًا للمملكة المتحدة، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني والقدرة على التعامل مع مختلف الأطراف وفقًا للمصالح العُمانية ومبادئ السياسة الخارجية للسلطنة.

وفي استشرافه لمستقبل العلاقات الثنائية، أعرب العبري عن تفاؤله بإمكانية توسيع مجالات التعاون، في ضوء سعي المملكة المتحدة إلى تعزيز شراكاتها الدولية، وتوجه سلطنة عُمان نحو تنويع اقتصادها وتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.

وحدد عددًا من القطاعات الواعدة التي يمكن أن تشكل محركات رئيسة للتعاون خلال المرحلة المقبلة، من بينها الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بوصفها منصة للصناعات والخدمات اللوجستية، إلى جانب الأمن البحري والتعليم والبحث العلمي والخدمات المالية والتقنية.

شراكة للمستقبل في عالم متغير

وتعكس مجمل هذه الرؤى أن العلاقات العُمانية البريطانية تمضي نحو مرحلة جديدة تستند إلى عمقها التاريخي، وتستفيد من الأطر المؤسسية والاتفاقيات الثنائية لتوسيع مجالات التعاون ومواكبة التحولات الإقليمية والدولية.

وفي ظل التحديات التي تواجه المنطقة، تبرز أهمية التنسيق السياسي والدبلوماسي بين البلدين في دعم الاستقرار، وتعزيز أمن الملاحة البحرية، وتغليب الحوار على التصعيد، إلى جانب استثمار الفرص الاقتصادية والتكنولوجية المتاحة.

وبذلك، لا تقتصر أهمية الشراكة العُمانية البريطانية على ما راكمته من تاريخ طويل من التواصل، بل تمتد إلى قدرتها على التكيف مع المتغيرات وصياغة مصالح مشتركة للمستقبل، بما يحافظ على خصوصية السياسة الخارجية العُمانية ويعزز آفاق التعاون بين البلدين الصديقين.

رياضة