قلعة ويندسور.. ألف عام من التاريخ الملكي تحتضن مراسم استقبال جلالة السلطان هيثم بن طارق

.

Author
Al Sawt

أكتوبر 21, 2026

Shareشارك

مسقط : من حصن دفاعي شُيّد لحماية الطريق إلى لندن، إلى مقر ملكي يستقبل ملوك العالم ورؤساء الدول.. قلعة ويندسور تفتح صفحات تاريخها العريق خلال الزيارة الرسمية التي يقوم بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى المملكة المتحدة.

لم تكن قلعة ويندسور، التي احتضنت مراسم الاستقبال الملكي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله، في 20 أكتوبر 2026، مجرد خلفية تاريخية لمراسم دبلوماسية رفيعة، بل كانت جزءًا من المشهد نفسه؛ إذ اجتمع فيها التاريخ الملكي البريطاني مع مراسم استقبال ضيف من سلطنة عُمان، في زيارة دولة تعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين.

وتُعد ويندسور واحدة من أعرق المقرات الملكية في العالم، إذ يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر، حين بدأ ويليام الفاتح بناءها نحو عام 1070م، واكتمل بناؤها الأول بعد نحو 16 عامًا. وكان الهدف الأساسي منها حماية المداخل الغربية للعاصمة لندن، مستفيدة من موقعها المرتفع المطل على نهر التايمز، وقربها من مناطق الصيد الملكية.

ومع مرور القرون، تجاوزت القلعة وظيفتها الدفاعية لتصبح مقرًا ملكيًا تتعاقب عليه الأجيال، وتطورت مبانيها وقاعاتها وفقًا لاحتياجات الملوك وأذواقهم، حتى أصبحت اليوم أكبر قلعة مأهولة في العالم، وأحد أقدم المقرات الملكية التي ما زالت مستخدمة بصورة متواصلة.

من الحصن العسكري إلى مقر لاستقبال ملوك العالم

شهدت قلعة ويندسور تحولات كبيرة منذ تأسيسها؛ ففي القرن الثاني عشر، عمل الملك هنري الثاني على إعادة بناء أجزاء رئيسية منها بالحجر، فيما وسّع الملك إدوارد الثالث القلعة في القرن الرابع عشر، وأنشأ قاعة سانت جورج المرتبطة بتاريخ فرسان وسام الرباط الملكي، أحد أعرق أوسمة الفروسية في بريطانيا، الذي تأسس عام 1348م.

وفي القرن السابع عشر، أعاد الملك تشارلز الثاني تصميم الشقق الملكية الرسمية، مستعينًا بفنانين وحرفيين بارزين، لتتحول بعض أجزائها إلى مساحات تجمع بين الفخامة الفنية والوظيفة الملكية. ثم جاءت تعديلات الملك جورج الرابع في عشرينيات القرن التاسع عشر لتمنح القلعة جانبًا كبيرًا من مظهرها القوطي المعروف اليوم، بأبراجها وشرفاتها وتفاصيلها المعمارية المميزة.

ولم تقتصر أهمية القلعة على إقامة الملوك؛ فقد شهدت أحداثًا سياسية مفصلية، إذ سيطرت عليها القوات البرلمانية خلال الحرب الأهلية الإنجليزية عام 1642م، واستُخدمت لاحقًا مقرًا لقادة برلمانيين وسجنًا. كما احتُجز فيها الملك تشارلز الأول عام 1648م قبل محاكمته وإعدامه في لندن.

مراسم الاستقبال الملكي.. طقوس تحمل دلالات تاريخية

في 20 أكتوبر 2026، استقبل الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم خلال مراسم رسمية ضمن زيارة الدولة التي تستمر من 20 إلى 22 أكتوبر. وبدأت المراسم باستقبال ولي العهد الأمير ويليام لجلالة السلطان في مقر إقامته، قبل التوجه إلى ويندسور.

وشهدت مراسم الاستقبال استعراضًا رسميًا، وإطلاق طلقات التحية المدفعية، وعزف النشيد الوطني العُماني، إلى جانب موكب بالعربات الملكية التي تجرها الخيول باتجاه القلعة. وعند الوصول، أدت فرقة حرس الشرف التحية الملكية، واستعرض جلالة السلطان والملك تشارلز الثالث حرس الشرف، وشهدا تشكيلات عسكرية قدمتها مدفعية الخيالة الملكية وحرس الملك.

كما التقى جلالة السلطان عددًا من أفراد الأسرة الملكية البريطانية، من بينهم الأمير ريتشارد دوق غلوستر، والأمير إدوارد وزوجته الأميرة صوفي دوقة إدنبرة، إلى جانب مسؤولين وأعضاء الوفد الرسمي المرافق لجلالته.

وتكتسب هذه الطقوس دلالتها من تقاليد استقبال رؤساء الدول في ويندسور، حيث تُستخدم العربات الملكية والمراسم العسكرية وحرس الشرف لتأكيد الطبيعة الرسمية للزيارة، ضمن بروتوكول تتوارثه المؤسسة الملكية البريطانية منذ أجيال.

مقتنيات ملكية توثق جانبًا من العلاقات العُمانية البريطانية

ومن المحطات البارزة خلال الزيارة، اصطحاب الملك تشارلز الثالث جلالة السلطان في جولة بمعرض المجموعة الملكية داخل القلعة، للاطلاع على مقتنيات تاريخية تعكس جانبًا من العلاقات العريقة بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة.

وتحمل هذه الجولة بعدًا يتجاوز عرض التحف والمقتنيات؛ فالمجموعة الملكية تضم أعمالًا فنية ووثائق ومقتنيات تاريخية ارتبط بعضها بالعلاقات بين بريطانيا ودول العالم. وقد أتاح المعرض لجلالة السلطان الاطلاع على شواهد مادية من الذاكرة المشتركة بين البلدين.

كما شهدت الزيارة تبادل الأوسمة بين الملك تشارلز الثالث وجلالة السلطان، إذ منح الملك جلالة السلطان وسام الرباط الملكي، فيما منح جلالته الملك تشارلز الثالث وسام آل سعيد، ومنح جلالة السلطان الملكة كاميلا وسام عُمان من الدرجة الأولى، في خطوة تعكس رمزية العلاقات الثنائية وما تحمله من تقدير متبادل.

قاعة سانت جورج.. حيث تتحول الولائم إلى مراسم دبلوماسية

تُعد قاعة سانت جورج من أبرز المساحات الملكية داخل القلعة، وهي المكان الذي تُقام فيه الولائم الرسمية لكبار ضيوف الدولة. ويبلغ طولها نحو 50 مترًا، ويمكن أن تستوعب مائدتها ما يصل إلى 160 ضيفًا، فيما تتطلب عملية إعداد المائدة وتنسيق تفاصيلها خمسة أيام من العمل.

وتتميز القاعة بسقفها الذي يحمل شعارات فرسان وسام الرباط الملكي، في تجسيد للتاريخ الممتد لهذا الوسام منذ القرن الرابع عشر. وقد استضافت القاعة العشاء الرسمي الذي أقامه الملك تشارلز الثالث تكريمًا لجلالة السلطان خلال الزيارة، بحضور الملكة كاميلا وعدد من كبار الشخصيات.

وتكشف هذه التفاصيل جانبًا من طبيعة المراسم الملكية البريطانية، حيث لا تقتصر الولائم الرسمية على الضيافة، بل تمثل مناسبة تجمع بين البروتوكول والفنون والمقتنيات الملكية، وتوفر إطارًا للتواصل الدبلوماسي بين قادة الدول.

حريق 1992.. حين واجهت القلعة أحد أصعب اختبارات تاريخها

على الرغم من مظهرها الذي يوحي بالثبات عبر القرون، لم تكن ويندسور بمنأى عن الكوارث. ففي 20 نوفمبر 1992، اندلع حريق كبير داخل القلعة بعدما أشعل مصباح كاشف معطوب ستارة في الكنيسة الخاصة للملكة فيكتوريا، قبل أن تمتد النيران إلى أجزاء أخرى من المبنى.

واستمر الحريق نحو 15 ساعة، وتسبب في تدمير أو إتلاف 115 غرفة، بينها تسع من الغرف الرسمية للدولة. وشارك نحو 225 رجل إطفاء من سبع مناطق في مكافحة النيران، مستخدمين 36 مضخة في ذروة عمليات الإطفاء.

ورغم حجم الأضرار، تمكن العاملون من إنقاذ معظم الأعمال الفنية والمقتنيات الثمينة، ولم يُفقد سوى عملين فنيين وفقًا لسجل مؤسسة المجموعة الملكية. وانطلقت بعدها عملية ترميم واسعة استمرت خمس سنوات، وانتهت في 20 نوفمبر 1997، لتصبح واحدة من أبرز مشروعات ترميم المباني التاريخية في بريطانيا خلال القرن العشرين.

ولم تقتصر عملية الترميم على إعادة ما تضرر إلى حالته السابقة، بل تضمنت حلولًا معمارية جديدة، من بينها إنشاء مساحة تُعرف باسم «ردهة الفانوس»، وإعادة بناء سقف قاعة سانت جورج باستخدام خشب البلوط الإنجليزي وتقنيات تقليدية.

كنيسة سانت جورج.. ذاكرة الأسرة الملكية

وتضم القلعة أيضًا كنيسة سانت جورج، وهي واحدة من أبرز معالمها التاريخية والدينية، وما زالت تؤدي دورًا دينيًا حتى اليوم. وقد احتضنت عددًا من حفلات الزفاف الملكية، من بينها زفاف الأمير هاري وميغان ماركل عام 2018، كما شهدت مراسم جنازة الملكة إليزابيث الثانية عام 2022.

وتضم الكنيسة مدافن عدد من ملوك بريطانيا، بينهم هنري الثامن وجورج السادس، كما دُفنت فيها الملكة إليزابيث الثانية وزوجها الأمير فيليب. وهي كذلك المقر الروحي لوسام الرباط الملكي، الذي تُقام مراسمه السنوية في ويندسور.

وتكشف هذه الجوانب عن خصوصية القلعة، التي تجمع بين أدوار سياسية ودبلوماسية ودينية وعائلية، وتجعلها أكثر من مجرد مبنى تاريخي أو معلم سياحي.

ويندسور.. تاريخ حي يستقبل المستقبل

تُظهر قلعة ويندسور كيف استطاع موقع بدأ بوظيفة دفاعية أن يتحول إلى مقر ملكي يجمع بين الذاكرة التاريخية والممارسة الرسمية المعاصرة. فهي تستضيف رؤساء الدول، وتُقام فيها مراسم منح الأوسمة، وتحتضن مناسبات ملكية كبرى، فيما تظل أجزاء منها مفتوحة أمام الزوار للتعرف على تاريخها ومجموعاتها الفنية.

ومع احتضانها مراسم استقبال جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، وجولته في المعرض الملكي، والعشاء الرسمي الذي أقامه الملك تشارلز الثالث تكريمًا لجلالته، أضافت ويندسور فصلًا جديدًا إلى سجلها الطويل من اللقاءات الملكية والدبلوماسية، في مناسبة تجمع بين عراقة المكان واستمرار العلاقات التاريخية بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة.

رياضة