.
مسقط : تتجه الأنظار إلى جمهورية كازاخستان مع بدء حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – زيارة دولة إلى الجمهورية يومي الخامس والسادس من أكتوبر الجاري، تلبيةً لدعوة فخامة الرئيس قاسم جومارت توكاييف، في زيارة تمثل محطة جديدة في مسار العلاقات العُمانية الكازاخستانية، وتفتح المجال أمام توسيع التعاون في عدد من القطاعات الاقتصادية والاستثمارية.
وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه العلاقات بين مسقط وأستانا زخماً متزايداً، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، مع توجه البلدين نحو تحويل العلاقات السياسية والدبلوماسية إلى مشروعات وشراكات أكثر ارتباطاً بالتجارة والاستثمار والنقل واللوجستيات والطاقة والتكنولوجيا.
كازاخستان.. قوة اقتصادية في قلب آسيا الوسطى
تمثل كازاخستان أكبر اقتصاد في آسيا الوسطى، وتمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً يجعلها حلقة وصل بين الأسواق الآسيوية والأوروبية. وتشترك في الحدود مع روسيا والصين ودول آسيا الوسطى، كما تعد جزءاً مهماً من “الممر الأوسط” الذي يربط الأسواق الصينية بالأسواق الأوروبية عبر آسيا الوسطى والقوقاز.
وتتميز البلاد بوفرة مواردها الطبيعية، وفي مقدمتها النفط والغاز واليورانيوم والفحم والذهب، إلى جانب قطاع التعدين والصناعات المعدنية. ويظل النفط والتعدين من المحركات الرئيسية للاقتصاد الكازاخستاني، فيما تعمل الحكومة على تنويع قاعدة الاقتصاد وتعزيز قطاعات التصنيع والخدمات والتكنولوجيا والبنية الأساسية.
ووفق أحدث بيانات البنك الدولي، نما الاقتصاد الكازاخستاني بنسبة 6.5% في عام 2025، مدفوعاً بشكل رئيسي بزيادة إنتاج النفط وقوة الطلب المحلي، فيما سجل قطاع التصنيع نمواً بنسبة 6.4% والخدمات 5.5%. ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ النمو نحو 4.6% في عام 2026. (
من الموارد الطبيعية إلى بوابة لوجستية
ولا تكمن أهمية كازاخستان في مواردها الطبيعية فقط، بل في موقعها الجغرافي الذي يمنحها دوراً متنامياً في حركة التجارة بين الشرق والغرب.
وهنا تبرز نقطة الالتقاء مع سلطنة عُمان؛ فكازاخستان دولة غير ساحلية، بينما تمتلك سلطنة عُمان موقعاً بحرياً استراتيجياً على المحيط الهندي وشبكة من الموانئ والمناطق الاقتصادية والحرة.
وتطرح هذه المعادلة فرصاً لتطوير مسارات تجارية ولوجستية تربط المنتجات الكازاخستانية بالأسواق الإقليمية والدولية عبر الموانئ العُمانية، بما في ذلك إمكانية نقل المنتجات الزراعية والغذائية، ومن بينها القمح، عبر الموانئ العُمانية إلى أسواق المنطقة. وقد سلطت تقارير محلية الضوء على هذا المسار باعتباره أحد المجالات الواعدة في التعاون بين البلدين.
شراكة لا تقتصر على النفط والمعادن
وتشير التحركات الرسمية بين البلدين إلى أن أجندة التعاون أصبحت أوسع من قطاع الطاقة والموارد الطبيعية.
فخلال المشاورات السياسية العُمانية الكازاخستانية في أغسطس 2026، ناقش الجانبان توسيع التعاون في الطاقة والتعدين والصناعات المعدنية، وإنتاج الغذاء، والنقل واللوجستيات، والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.
كما بحثت اللجنة العُمانية الكازاخستانية المشتركة في ديسمبر 2025 فرص التعاون في الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية واللوجستيات، إضافة إلى إمكانية تسيير رحلات جوية مباشرة بين البلدين، والتعاون في تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والتعليم.
الاستثمار.. أحد أهم محاور المرحلة المقبلة
ويبرز الاستثمار كأحد الملفات التي شهدت تقدماً ملموساً قبل زيارة جلالة السلطان.
ففي أبريل 2025، بحث الجانب الكازاخستاني في مسقط مشروع اتفاقية لتشجيع وحماية الاستثمارات بين البلدين، بهدف توفير إطار قانوني أكثر وضوحاً للمستثمرين وتعزيز تدفق رؤوس الأموال والمشروعات المشتركة.
كما ناقش الجانبان في أغسطس 2026 إنشاء مجلس أعمال عُماني كازاخستاني وصندوق استثماري مشترك، بهدف تعزيز التواصل بين القطاع الخاص في البلدين وتمويل مشروعات استثمارية مشتركة.
وكان جهاز الاستثمار العُماني قد وقع في أبريل 2026 اتفاقية تمهيدية مع صندوق الثروة السيادي الكازاخستاني سامروك كازينا، في خطوة تعكس انتقال التعاون الاستثماري إلى مستوى أكثر عملية
التعاون المالي والتقني.. مسار يتوسع
ولا يقتصر التعاون على الاستثمار التقليدي، إذ وقع الجانبان في سبتمبر 2025 مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في الأسواق المالية والتقنيات المالية “FinTech” والبنية الأساسية للأسواق وتبادل الخبرات التنظيمية.
كما شملت المذكرة مجالات مثل التمويل الإسلامي، وإدارة الأصول، والأسواق المالية، والخدمات المالية الرقمية والتدريب، إلى جانب دعم التعاون عبر منصة “تبَادُل” التي تهدف إلى تعزيز الربط بين الأسواق المالية.
ماذا يمكن أن تفتح زيارة جلالة السلطان؟
يمكن النظر إلى زيارة جلالة السلطان إلى كازاخستان باعتبارها فرصة للانتقال بالعلاقات من مستوى التعاون الحكومي إلى الشراكات الاقتصادية والاستثمارية طويلة الأمد.
ومن أبرز المسارات التي يمكن أن تشكل أجندة عملية للمرحلة المقبلة:
أولاً: الموانئ واللوجستيات
ربط المنتجات الكازاخستانية بالأسواق الخليجية والآسيوية عبر الموانئ والمناطق الاقتصادية العُمانية.
ثانياً: الأمن الغذائي والزراعة
الاستفادة من الإمكانات الزراعية الواسعة في كازاخستان، خصوصاً الحبوب والقمح، وربطها بالأسواق العُمانية والخليجية.
ثالثاً: التعدين والمعادن
فتح المجال أمام استثمارات وشراكات عُمانية في قطاع التعدين والصناعات التحويلية الكازاخستانية، في ظل امتلاك البلاد قاعدة كبيرة من الموارد المعدنية.
رابعاً: الطاقة
استكشاف فرص التعاون في النفط والغاز والطاقة المتجددة، إلى جانب الصناعات المرتبطة بالطاقة.
خامساً: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
تطوير شراكات في التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، وهو مجال سبق أن وضعه البلدان ضمن مسارات التعاون الرسمية.
سادساً: السياحة والطيران
تعزيز حركة السياح بين البلدين ودراسة الربط الجوي المباشر، بما يسهم في زيادة التبادل التجاري والسياحي والثقافي.
عُمان وكازاخستان.. تكامل في الموقع والموارد
وتكمن أهمية العلاقة الاقتصادية بين البلدين في وجود عناصر تكامل واضحة؛ فكازاخستان تمتلك الموارد الطبيعية والقاعدة الزراعية والموقع البري الرابط بين الصين وأوروبا، في حين تمتلك سلطنة عُمان موقعاً بحرياً استراتيجياً وبنية أساسية للموانئ والمناطق الاقتصادية، إلى جانب موقعها كبوابة للأسواق الخليجية والمحيط الهندي.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتحول العلاقة بين البلدين من مجرد تبادل تجاري إلى شراكة تقوم على ربط الموارد والأسواق وسلاسل الإمداد.
وتأتي زيارة جلالة السلطان في هذا السياق لتمنح العلاقات العُمانية الكازاخستانية دفعة جديدة، خصوصاً أن البلدين دخلا بالفعل في نقاشات حول صندوق استثماري مشترك، ومجلس للأعمال، واتفاقية لحماية الاستثمارات، إلى جانب التعاون في النقل والطاقة والتعدين والزراعة والتكنولوجيا.
وبذلك، لا تبدو أهمية الزيارة مرتبطة فقط بما ستشهده من مباحثات واتفاقيات، وإنما بما يمكن أن تؤسسه من مسار اقتصادي جديد يربط سلطنة عُمان بواحدة من أهم اقتصادات آسيا الوسطى، ويفتح أمام القطاع الخاص العُماني فرصاً أوسع في سوق كازاخستان والأسواق الممتدة عبرها إلى آسيا وأوروبا.