.
مسقط : تتعدد المسارات التي يشقها الفنانون العُمانيون الشباب في المشهد التشكيلي، إلا أن البحث عن هوية فنية خاصة يظل قاسمًا مشتركًا بينهم، في تجارب تستلهم الإنسان والثقافة العُمانية، وتجمع بين أصالة الأدوات التقليدية وإمكانات التقنيات الحديثة.
فبين فن البورتريه الذي يوثق ملامح الإنسان وتفاصيل وجهه، والرسم بقلم الرصاص الذي يوظف الضوء والظل لاستحضار المشاعر، والحروفيات التي تمنح الحرف العربي حضورًا تشكيليًا يتجاوز وظيفته الكتابية، تتشكل تجارب شبابية تسعى إلى تطوير أدواتها وبناء أساليبها الخاصة، وصولًا إلى حضور أوسع في المعارض المحلية والدولية.
سويد اليعربي.. البورتريه ذاكرة للإنسان
يجد الفنان سويد بن مسعود اليعربي في البورتريه وسيلة لحفظ ملامح الإنسان وتوثيق حضوره، إذ بدأت تجربته في هذا الفن عام 2014م، عندما أراد تقديم هدية لأحد أصدقائه تبقى ذكرى دائمة، فاختار رسم وجهه، لتتحول التجربة لاحقًا إلى شغف ومسار فني عززه تشجيع المحيطين به.
ويولي اليعربي أهمية كبيرة للتفاصيل الدقيقة في كل وجه، بدءًا من النسب والمسافات والقياسات، مؤكدًا أن نجاح البورتريه لا يرتبط بالتشابه الخارجي فحسب، بل يتطلب فهم شخصية الإنسان والإحساس بالحالة التي تعكسها ملامحه.
ويعد تخطيط الوجه بصورة دقيقة واختيار صورة مرجعية واضحة من أهم مراحل العمل، إلا أن الجانب الشعوري يظل حاضرًا أثناء الرسم، إذ يتفاعل الفنان مع تعبيرات الشخصية وما تحمله من فرح أو حزن أو تعب، وهو ما ينعكس على تركيزه وطريقة تعامله مع اللوحة.
وتبرز البشرة كأحد التحديات التقنية في أعماله، خصوصًا في اللوحات الملونة، لما تتطلبه من طبقات متعددة للوصول إلى مظهر واقعي، فضلًا عن اختلاف تفاصيلها باختلاف الأعمار. ويجد اليعربي في وجوه كبار السن، بما تحمله من تجاعيد وتفاصيل، مساحة غنية لإظهار قدرته على بناء الملامح وتقديم الشخصية بصورة واقعية.
وحضرت الشخصيات العُمانية في تجربته منذ بداياته، وأسهم تكرار رسمها في تطوير مهاراته في الملاحظة والدقة. ويرى أن البورتريه يمكن أن يسهم في توثيق الذاكرة البصرية للمجتمع، عندما يقترب الفنان من الناس ويستحضر وجوههم وتجاربهم ومناسباتهم في أعماله.
ومن الأعمال التي يعتز بها لوحة «حكاية ملك»، التي أنجزها خلال أربعة أيام متواصلة، واستلهم فيها تفاصيل وجه أحد كبار السن، مركزًا على التجاعيد والتعبيرات التي منحت العمل عمقًا إنسانيًا.
ولا يرى اليعربي في التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي منافسًا للرسم اليدوي، وإنما أدوات مساعدة يمكن استخدامها في تطوير الفكرة ومعالجة الصورة المرجعية قبل بدء العمل. وفي المقابل، يؤكد أن اللوحة اليدوية تحتفظ بخصوصيتها، باعتبارها عملًا منفردًا يحمل أثر يد الفنان.
ويتطلع اليعربي إلى تطوير أسلوب فني خاص يمنحه هوية بصرية مميزة، إلى جانب توسيع مشاركاته خارج سلطنة عُمان والوصول إلى معارض دولية، وإقامة معرض شخصي يجمع خلاصة تجربته.
خولة محمد علي.. الرصاص لغة للضوء والمشاعر
وفي تجربة قريبة من عالم البورتريه، تجد الفنانة خولة محمد علي في قلم الرصاص الخامة الأقرب إلى أسلوبها، رغم تجربتها مع خامات أخرى، من بينها الأكريليك والتصوير الزيتي.
وترى خولة أن الرصاص يمنحها مساحة واسعة للتعبير والتجريب، كما يمثل بالنسبة إليها أساسًا مهمًا لفهم قواعد الرسم التي يمكن البناء عليها عند الانتقال إلى خامات وأساليب أخرى.
وتحتل العلاقة بين الظل والنور موقعًا أساسيًا في أعمالها، إذ تهتم بدراسة مواقع الإضاءة والظلال لإظهار أبعاد الوجه ومنحه العمق والواقعية. ويستحوذ البورتريه على المساحة الأكبر من أعمالها، لما تجده في ملامح الوجه من تعبيرات ومشاعر إنسانية متعددة.
كما تحضر الشخصية العُمانية في أعمالها من خلال رسم وجوه تنتمي إلى فئات عمرية مختلفة، في محاولة لالتقاط تنوع الملامح والحالات الإنسانية.
وتعد مرحلة تحديد نسب الوجه والملامح الأولية من أكثر مراحل العمل تحديًا بالنسبة إليها، قبل الانتقال تدريجيًا إلى درجات الظل والتفاصيل والإضاءات. وتختلف مدة إنجاز اللوحة بحسب مستوى التفاصيل، وقد تمتد من أسبوع إلى أربعة عشر يومًا أو أكثر.
وتتعامل خولة مع التقنيات الرقمية باعتبارها امتدادًا يمكن أن يخدم الفن التقليدي، ولا ترى تعارضًا بينهما، معتبرة أن الأدوات الرقمية قد تسهم في زيادة الاهتمام بالفنون اليدوية وإبراز قيمتها، رغم استمرار ارتباطها بالأدوات التقليدية لما تمنحه من تجربة حسية وأثر فني مباشر.
وتعد لوحة للأديب العُماني الراحل خميس العدوي من الأعمال المهمة في تجربتها، إذ شكلت محطة تطبيقية جمعت عددًا من التقنيات والأسس التي اكتسبتها من الدورات والدروس والقراءات الفنية.
وتطمح خولة إلى تطوير أسلوبها الخاص والوصول إلى مستويات أكثر احترافًا، والمشاركة في معارض دولية، وصولًا إلى تأسيس مرسمها الخاص، انطلاقًا من رؤيتها للرسم بوصفه أسلوب حياة وتجربة تتجاوز حدود الهواية.
مروة الحوسني.. الحرف العربي من الكتابة إلى التشكيل
أما الفنانة مروة بنت عبدالله الحوسني، فتتخذ من الحرف العربي نقطة انطلاق لتجربتها الفنية، مستفيدة من مرونته وجمالياته وقدرته على التحول إلى عنصر تشكيلي مستقل.
وبدأت علاقتها بالخط منذ طفولتها، عندما لفت جمال خطها انتباه معلميها، وكانت تحاول تقليد نماذج مختلفة قبل أن تتعرف إلى قواعد الخط وأصوله. وفي عام 2022م تقريبًا، التحقت بأولى الورش المتخصصة في الخط العربي، لتبدأ مرحلة أكثر انتظامًا في التعلم والممارسة.
ويعد خط الوسام الأقرب إليها، لما تمنحه أشكاله من إمكانات تساعدها على التعبير عن أفكارها وإضافة بصمتها الخاصة، مع استمرارها في تجربة خطوط أخرى.
ومع تراكم الخبرة والممارسة، انتقلت تجربتها من تعلم قواعد الخط إلى الحروفيات، فأصبح اهتمامها منصبًا على كيفية تحويل الحرف إلى بناء بصري يحمل فكرة وتكوينًا يتجاوز الكتابة التقليدية.
وتتعامل مروة مع الحرف بوصفه عنصرًا بصريًا له جمالياته الخاصة، من انحناءات وامتدادات ونسب وعلاقات مع الحروف والمساحات المحيطة به، بما يسمح للمتلقي برؤية العمل بصريًا قبل قراءة النص الذي يحمله.
وتنطلق في أعمالها عادة من فكرة أو نص محدد، ثم تبحث عن التكوين الحروفي المناسب له، مستفيدة من امتدادات الحروف وتداخلاتها بما يخدم المعنى ويمنح العمل توازنًا بصريًا.
وفي العلاقة بين الأصالة والمعاصرة، تحرص مروة على تطوير طريقة تقديم الحرف دون المساس بهويته، فتنطلق من القواعد الأساسية للخط، ثم تفتح المجال للتجريب في التكوين وطريقة العرض.
وترى أن الحروفيات العربية أصبحت جزءًا مهمًا من الفنون البصرية المعاصرة، لما يمتلكه الحرف من مرونة تسمح بالتجريب وإعادة التشكيل، مؤكدة أن وظيفته لم تعد مقتصرة على الكتابة، وإنما أصبح قادرًا على إنتاج عمل فني قائم بذاته.
وتحرص في تجربتها على أن تكون العلاقة الأولى بين المتلقي والعمل قائمة على الرؤية قبل القراءة؛ فالتكوين يجذب العين أولًا إلى جمال الحرف وحركته وتوازنه، ثم ينتقل المتلقي إلى قراءة النص ومعناه. ومن هنا تميز بين قراءة الحرف بوصفها بحثًا عن الكلمة والدلالة، ورؤيته بوصفها اكتشافًا للنسب والامتداد والعلاقات البصرية.
وتطمح مروة إلى تأسيس معرض شخصي يجمع أعمالها الحروفية، ويعكس تطور تجربتها بين قواعد الخط والتكوينات المعاصرة، إلى جانب إقامة ورش ومعارض وتعاونات تجمع الخطاطين والفنانين.
اختلاف الأدوات.. والبحث واحد
وتكشف هذه التجارب عن تنوع واضح في أدوات التعبير لدى جيل جديد من الفنانين العُمانيين، إلا أن اختلاف الوسائط لا يلغي وحدة البحث عن الذات الفنية والهوية البصرية.
فالوجه في تجربة سويد اليعربي يتحول إلى ذاكرة إنسانية تحفظ الملامح والتفاصيل، بينما يصبح الرصاص لدى خولة محمد علي وسيلة لاستكشاف الضوء والظل والمشاعر، في حين يتحول الحرف العربي لدى مروة الحوسني إلى مساحة بصرية تجمع بين جماليات الخط وروح التشكيل المعاصر.
وبين المحافظة على خصوصية الأدوات التقليدية والاستفادة من التقنيات الحديثة، تواصل هذه التجارب بناء حضورها في المشهد التشكيلي العُماني، مدفوعة برغبة مشتركة في تطوير الأسلوب، وتعزيز الهوية الفنية، والوصول بالأعمال العُمانية الشابة إلى مساحات أوسع محليًا ودوليًا.