.
مسقط : تستند العلاقات بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة إلى تاريخ طويل من التواصل السياسي والتجاري والبحري، تعود جذوره الرسمية إلى عام 1798، وشهدت مراحل متعددة من التعاون والتطور، وصولًا إلى شراكة تشمل المجالات الاقتصادية والعسكرية والثقافية والتعليمية في عهد النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم /حفظه الله ورعاه/.
وأكد عدد من الباحثين والمختصين في الشأن التاريخي، في استعراض لوكالة الأنباء العُمانية، أن العلاقات العُمانية البريطانية تميزت باستمراريتها وقدرتها على التكيف مع التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة والعالم، مشيرين إلى أن المصالح المشتركة والتواصل الدبلوماسي أسهما في ترسيخ هذه العلاقة عبر أكثر من قرنين.
وقال الدكتور ناصر بن عبدالله الصقري، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد بجامعة السلطان قابوس، إن العلاقات بين البلدين تمثل نموذجًا متميزًا في تاريخ العلاقات الدولية بالمنطقة، نظرًا إلى امتدادها التاريخي وما شهدته من تواصل سياسي وتفاعل حضاري وتراكم للثقة والتفاهم المتبادل.
وأوضح أن الاتفاقيات التي وُقّعت في عامي 1798 و1800 أسهمت في وضع أسس العلاقات الرسمية بين البلدين، مؤكدًا أن استمراريتها ارتبطت بتقاطع المصالح في مجالات الأمن والتجارة والطاقة، إلى جانب المرونة الدبلوماسية والروابط الإنسانية والمؤسسية.
وأشار إلى أن سلطنة عُمان أدت دورًا في دعم الاستقرار الإقليمي وتيسير التواصل في عدد من القضايا الحساسة، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وأهميتها في حركة الملاحة الدولية، في حين أسهم التعاون الثقافي والتعليمي في تعزيز التواصل بين الشعبين.
من جانبها، أوضحت الدكتورة بدرية بنت محمد النبهاني، الباحثة في التاريخ، أن القرن التاسع عشر شكّل مرحلة مهمة في تطور العلاقات العُمانية البريطانية، بدءًا من الاتفاقيات المبكرة، مرورًا بعهد السيد سعيد بن سلطان، وصولًا إلى الاتفاقيات اللاحقة التي نظمت جوانب من التعاون التجاري والدبلوماسي والملاحي.
وبيّنت أن محطات التعاون التاريخي شملت أمن الملاحة في الخليج، ورسم الخرائط البحرية للسواحل العُمانية، وتطوير الاتصالات، إلى جانب انتظام حركة السفن التجارية التي ربطت مسقط بموانئ إقليمية ودولية.
وأضافت أن العلاقات اكتسبت في المرحلة الراهنة بُعدًا اقتصاديًا واضحًا، مشيرة إلى أن المملكة المتحدة كانت في عام 2025 أكبر مستثمر أجنبي في سلطنة عُمان، وفقًا للمعلومات التي استعرضتها، مع بلوغ الاستثمارات المباشرة نحو 42 مليار دولار. كما لفتت إلى التعاون الاستثماري بين جهاز الاستثمار العُماني ومكتب الاستثمار البريطاني، والجهود المرتبطة بمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وفي الجانب العسكري، أوضحت الدكتورة بهية بنت سعيد العذوبي، الباحثة في التاريخ العسكري العُماني، أن التعاون بين البلدين مر بمراحل متعددة، انتقل خلالها من التفاهمات المرتبطة بالأمن البحري والمصالح الاستراتيجية إلى تنظيم القوات والتدريب العسكري والتعاون الدفاعي المؤسسي.
وأشارت إلى أن عام 1913 مثّل بداية مرحلة جديدة في تنظيم التعاون العسكري، فيما شكّل تأسيس فيلق مسقط المجندة عام 1921 إحدى المحطات المهمة في تطور التنظيم العسكري الحديث في سلطنة عُمان.
وأضافت أن التدريبات العسكرية المشتركة التي نُفذت منذ ستينات القرن الماضي أسهمت في تعزيز التنسيق وتبادل الخبرات، مشيرة إلى أن التعاون تطور لاحقًا ليشمل المناورات المشتركة، ومن بينها تمرين «السيف السريع»، إلى جانب اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة عام 2019، وتمرين «خنجر عُمان».
وأكدت أن هذا التعاون ارتبط باحتياجات سلطنة عُمان الأمنية والعسكرية، وبمساعيها إلى تطوير قدرات قواتها المسلحة والاستفادة من الخبرات المختلفة بما يتناسب مع طبيعة البيئة الجغرافية والتحديات التي تواجهها.
بدوره، قال الدكتور يونس بن جميل النعماني، الباحث في شؤون التاريخ، إن التجارة أدت دورًا محوريًا في التقارب العُماني البريطاني، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان على طرق التجارة العالمية، مشيرًا إلى أن الاتفاقيات التجارية أسهمت في توسيع العلاقات وتطوير التمثيل الدبلوماسي بين البلدين.
وأوضح أن رحلة السفينة العُمانية «سلطانة» إلى لندن عام 1842، وعلى متنها المبعوث علي بن ناصر، مثلت محطة مهمة في تاريخ التواصل الدبلوماسي، إذ حملت رسائل وهدايا إلى الملكة فيكتوريا.
وأشار إلى أن العلاقات الثقافية والتعليمية شهدت بدورها تطورًا من خلال الشراكات بين الجامعات والمؤسسات التعليمية، والمنح الدراسية، والتعاون بين المتاحف والمؤسسات الثقافية في البلدين.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتيح فرصًا لتعزيز التعاون في مجالات تنويع مصادر الدخل، والعلوم والتكنولوجيا، وحماية البيئة، والطاقة النظيفة، والتعليم، بما يسهم في توسيع مجالات الشراكة والاستفادة من الخبرات المتبادلة.
وتعكس هذه المحطات التاريخية، وفقًا للباحثين، مسارًا متواصلًا من العلاقات العُمانية البريطانية، جمع بين المصالح التجارية والتواصل الدبلوماسي والتعاون العسكري والثقافي، مع استمرار تطوره بما يتناسب مع المتغيرات الإقليمية والدولية وتطلعات البلدين إلى توسيع آفاق التعاون في المستقبل