هل يصنع الشباب العُماني وظائف المستقبل أم ينتظرونها؟

.

Author
Al Sawt

أغسطس 25, 2026

Shareشارك

مسقط : لم تعد التحولات المتسارعة في سوق العمل تضع الشباب أمام خيار البحث عن وظيفة تقليدية فحسب، بل تدفعهم إلى إعادة التفكير في مفهوم الوظيفة ذاتها، في ظل صعود الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والعمل الحر، وتداخل التخصصات، وظهور أدوار مهنية لم تكن معروفة قبل سنوات قليلة.

وفي سلطنة عُمان، يتقاطع هذا التحول مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 التي تتجه نحو بناء اقتصاد متنوع قائم على التقنية والمعرفة والابتكار، وسوق عمل أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التغيرات الاقتصادية والمعرفية والتقنية. كما تستهدف الرؤية إيجاد قوى بشرية ذات مهارات وإنتاجية عالية، وتعزيز المبادرة والابتكار في منظومة التشغيل. (عمان 2040)

ومع التوسع في استخدام التقنيات الحديثة، لم يعد المسار المهني بالضرورة خطًا مستقيمًا يبدأ بالتخصص الجامعي وينتهي بالوظيفة ذاتها حتى التقاعد، بل أصبح أكثر مرونة، بحيث يستطيع الفرد الانتقال بين أدوار وتخصصات متعددة، أو الجمع بينها، أو حتى تحويل مهارة معينة إلى خدمة أو مشروع مستقل.

ويرى طلال بن خميس البحري، فني أول بمركز تقنيات التعليم بجامعة السلطان قابوس، أن مفهوم الوظيفة التقليدية ظل لسنوات مرتبطًا لدى الشباب بالأمان والاستقرار وتحقيق التوافق بين المؤهلات العلمية والمسار المهني، إلا أن الثورة الرقمية والتغيرات العالمية أسهما في إعادة تشكيل هذا المفهوم، وأصبح الشاب أكثر قدرة على إدارة مشروعه الخاص والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز أعماله وتوسيع مجالات الإبداع والإنتاج.

ويشير البحري إلى أن الفارق بين المسارين التقليدي والحديث لا يكمن فقط في طبيعة الوظيفة، وإنما في طريقة بناء المسار المهني؛ فبينما يقوم النموذج التقليدي على التدرج داخل مسار وظيفي واحد، يعتمد المسار المرن على المهارات المتعددة والقدرة على الانتقال بين الإدارات والتخصصات، بما يوسع خبرات الفرد ويمنحه قدرة أكبر على التكيف مع المتغيرات.

وفي هذا السياق، تتزايد أهمية المهارات الرقمية والمهنية، خصوصًا مع انتشار أنماط العمل الحر والعمل عن بُعد والعمل الجزئي والعقود قصيرة الأجل. وتشير الخطة الخمسية الحادية عشرة إلى أن هذه التحولات أصبحت جزءًا من التغيرات التي يشهدها سوق العمل، مؤكدة أن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد كافية لضمان التوظيف، وأن التدريب العملي والشهادات المهنية والمهارات التقنية والرقمية تكتسب أهمية متزايدة.

ولا يقتصر التحول على تغيير طريقة العمل، بل يمتد إلى ظهور تخصصات وأدوار جديدة عند تقاطع أكثر من مجال. وتوضح رحمة بنت سعيد الرشيدي، مصممة جرافيك ومتخصصة في التواصل الاستراتيجي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أن الوظائف المستقبلية لا تنشأ بالضرورة من تخصصات منفصلة، وإنما قد تظهر نتيجة إعادة تشكيل الأدوار المهنية عند تقاطع المعرفة الإنسانية مع التقنيات الحديثة.

وتبرز هندسة الأوامر، وتصميم المحتوى البصري باستخدام الذكاء الاصطناعي، وإدارة جودة مخرجات النماذج الذكية، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي في الاتصال المؤسسي وتحليل الجمهور وتطوير المحتوى، بوصفها أمثلة على مجالات مهنية نشأت مع توسع استخدام التقنيات الذكية.

وترى الرشيدي أن الفضول الشخصي والتعلم المستمر يمثلان عاملين أساسيين في اكتشاف هذه المسارات، فالشخص الذي يجمع بين التصميم والذكاء الاصطناعي، أو بين الاتصال الاستراتيجي والتقنيات الذكية، قد لا يكتفي بالحصول على وظيفة قائمة، بل يستطيع تطوير نموذج مهني جديد يستجيب لاحتياجات المؤسسات والسوق.

أما سعيد بن مبارك الغنامي، نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية العُمانية لتقنية المعلومات، فيرى أن سوق العمل العُماني خلال السنوات المقبلة قد لا يشهد بالضرورة اختفاء التخصصات الأساسية، بقدر ما سيشهد تغيرًا في طبيعة ممارستها والأدوات المستخدمة فيها.

فالطبيب والمهندس والمعلم والمحاسب سيظلون تخصصات أساسية، لكن طبيعة أعمالهم ستتأثر بدرجة أكبر بالبيانات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، مع ظهور مهن هجينة تجمع بين المعرفة القطاعية والتقنيات المتقدمة.

ويطرح الغنامي أمثلة على ذلك، مثل الزراعة الدقيقة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، والصيانة التنبؤية لمحطات الطاقة، وتصميم التجارب السياحية الذكية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، وهي أدوار تعكس انتقال سوق العمل تدريجيًا من التخصصات المنفصلة إلى المهارات والمهن الهجينة.

وتأتي هذه التحولات في وقت تضع فيه سلطنة عُمان الاقتصاد الرقمي والابتكار والتقنية ضمن مسارات التنويع الاقتصادي. وتشير وزارة الاقتصاد إلى أهمية دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الابتكار واقتصاد المعرفة وتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التركيز على توفير فرص عمل منتجة للشباب العُماني، خصوصًا في مجال ريادة الأعمال.

كما أن التحول نحو الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أن الوظائف ستختفي، بل قد يعيد تشكيلها. ووفق تقرير صندوق النقد الدولي حول سلطنة عُمان، فإن مستوى تعرض سوق العمل العُماني للذكاء الاصطناعي لا يزال معتدلًا، فيما يمكن لاعتماد الذكاء الاصطناعي في الوظائف عالية المهارة أن يسهم في رفع إنتاجية العمل، مع استمرار الحاجة إلى تطوير البنية الرقمية ورأس المال البشري.

ومن هنا، تبدو المنافسة المستقبلية أقل ارتباطًا بمن يمتلك أداة الذكاء الاصطناعي، وأكثر ارتباطًا بمن يستطيع توظيفها في حل مشكلة حقيقية أو تطوير منتج أو خدمة جديدة. فامتلاك التقنية أصبح متاحًا على نطاق واسع، بينما تكمن القيمة في القدرة على تحويلها إلى ابتكار قابل للتطبيق وقيمة اقتصادية مستدامة.

وبينما كان السؤال سابقًا: «أين توجد الوظيفة المناسبة لتخصصي؟»، يبدو أن السؤال الجديد أصبح أكثر اتساعًا: «ما المشكلة التي أستطيع حلها؟ وما الخدمة التي يمكنني ابتكارها؟»

وبذلك، فإن مستقبل العمل قد لا يكون في انتظار وظائف جديدة تظهر في قوائم التوظيف، وإنما في قدرة الشباب على استشراف الاحتياجات، وتطوير مهارات هجينة، واكتشاف الفرص، وتحويل المعرفة والتقنية إلى مشروعات وأدوار مهنية جديدة.

وفي ظل توجه رؤية عُمان 2040 نحو سوق عمل متفاعل مع المتغيرات التقنية والاقتصادية، وإشراك الشباب ورواد الأعمال في استشراف المستقبل وصناعته، يصبح الانتقال من «طالب وظيفة» إلى «صانع فرصة» أحد التحولات التي قد تعيد تعريف علاقة الشباب العُماني بسوق العمل خلال السنوات المقبلة. (عمان 2040)

رياضة