.
مسقط :تتجدد في سلطنة عُمان مع ذكرى المولد النبوي الشريف مظاهر متعددة للاحتفاء بالسيرة النبوية، تتجاوز الفعاليات الرسمية إلى موروث اجتماعي وثقافي احتفظت به بعض البيئات العمانية عبر أجيال، من خلال قراءة كتب المولد والإنشاد والمدائح النبوية.
وعلى المستوى الرسمي، دأبت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية على تنظيم فعاليات بهذه المناسبة، تضمنت في مناسبات سابقة تلاوة القرآن الكريم، والحديث عن السيرة النبوية، والقصائد الشعرية والمدائح والإنشاد، فيما أعلنت الوزارة هذا العام عن إقامة احتفاء سلطنة عُمان بذكرى المولد النبوي الشريف لعام 1448هـ.
وفي الذاكرة الشعبية، ارتبط الاحتفاء في بعض المجتمعات بكتب أصبحت أسماؤها مألوفة لدى الأجيال، في مقدمتها «مولد البرزنجي»، المنسوب إلى العالم جعفر بن حسن بن عبد الكريم البرزنجي، الذي عاش في المدينة المنورة وتوفي سنة 1177هـ، وهو من أشهر النصوص التي تناولت مولد النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وشمائله، وانتشرت له نسخ مخطوطة ومطبوعة.
ومع حضور البرزنجي في بعض البيئات العمانية، ظهر نص أكثر التصاقًا بالبيئة العمانية، هو «النشأة المحمدية» للشاعر والعالم العماني أبي مسلم ناصر بن سالم البهلاني، الذي صاغ من خلاله مولدًا نبويًا احتفى به العمانيون في عُمان وشرق أفريقيا، ليصبح الكتاب مع مرور الوقت واحدًا من النصوص المرتبطة بالموروث المولدي العماني.
ولا تبدو خريطة قراءة الموالد في عُمان واحدة؛ ففي محافظة ظفار، تشير روايات وبحوث حول العادات المحلية إلى أن «سمط الدرر في أخبار مولد خير البشر» للحبيب علي بن محمد بن حسين الحبشي ارتبط بصلالة، بينما عُرف في مرباط وطاقة «مولد الديبعي» للشيخ عبد الرحمن الديبعي الزبيدي. كما ارتبطت بعض هذه القراءات بالإنشاد والاجتماع وإطعام الطعام، لتتحول النصوص من كتب دينية إلى جزء من الذاكرة الشفوية والاجتماعية لبعض المجتمعات.
وهكذا، فإن حضور المولد النبوي في الذاكرة العمانية لا يقتصر على مناسبة زمنية، بل يكشف عن تنوع ثقافي في طرق التعبير عن المحبة النبوية؛ من البرزنجي إلى النشأة المحمدية، ومن سمط الدرر في صلالة إلى مولد الديبعي في مرباط وطاقة، احتفظت كل بيئة ببعض النصوص والأصوات والألحان التي شكلت جزءًا من ذاكرتها الدينية والاجتماعية.
أما من الناحية الفقهية، فمشروعية الاحتفال بالمولد النبوي محل خلاف بين العلماء؛ إذ يرى فريق من العلماء جواز الاحتفاء به من خلال قراءة السيرة والقرآن والمدائح والإنشاد وإطعام الطعام، بشرط خلو ذلك من المخالفات الشرعية، بينما يرى فريق آخر عدم مشروعية تخصيص يوم المولد باحتفال سنوي. ولذلك يبقى من الأدق تناول المسألة باعتبارها خلافًا فقهيًا معروفًا، دون نسب إجماع إلى العلماء.
وفي كل الأحوال، تبقى كتب المولد شاهدًا على جانب من تاريخ التلقي الديني والأدبي في المجتمعات العمانية، وعلى الطريقة التي حفظت بها الأجيال نصوص السيرة والمديح النبوي، حتى أصبحت بعض عبارات هذه الكتب وألحانها جزءًا من الذاكرة الجمعية، تتناقلها الأجيال في المناسبات الدينية والاجتماعية.