المجالس العامة في مسقط… إرث اجتماعي يتجدد بين التحديات وفرص التفعيل
مسقط : تحافظ المجالس العامة أو "السبلة" في محافظة مسقط على حضورها كأحد أبرز ملامح الحياة الاجتماعية، إذ شكّلت عبر التاريخ ملتقىً جامعًا لأهالي القرى والولايات، تُناقش فيها شؤونهم، وتُطرح من خلالها قضاياهم، وتُبنى عبرها علاقات قائمة على التواصل والتكافل. ورغم تغيّر أنماط الحياة وتراجع وتيرة اللقاءات اليومية، ما تزال هذه المجالس تؤدي دورًا مهمًا في ترسيخ القيم والعادات وتعزيز التماسك الاجتماعي، لا سيما في المناسبات الاجتماعية والدينية. وفي هذا السياق، تبرز المجالس كمساحات واعدة يمكن تفعيلها بشكل أوسع، من خلال تنظيم اللقاءات الثقافية والبرامج المجتمعية التي تسهم في ربط الأجيال، وتعزيز الهوية، ومواكبة متطلبات المرحلة، دون التفريط في عمقها الاجتماعي المتجذر.
واقع المجالس في ولاية بوشر
أوضح الدكتور العقيد المتقاعد سعيد بن حمد الحسني- وكيل مجلس بوشر العام- أن عدد المجالس النشطة في الولاية يقارب تسعة مجالس، وتشهد حضورًا لافتًا من كبار السن والشباب. وتدور النقاشات فيها حول الجوانب الاجتماعية والدينية، إلى جانب طرح قضايا المجتمع المحلي والبحث عن حلول لها. كما تسهم هذه اللقاءات في تعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، خاصة في المجالس الصغيرة التي تتناول أحيانًا موضوعات عائلية بشكل مباشر. وأشار إلى أن المجالس تتسم بقدر كبير من التوافق في رسالتها الهادفة إلى خدمة الصالح العام وتعزيز الترابط بين أفراد المجتمع، مع وجود تنسيق مستمر بين وكلائها بالتعاون مع الشيوخ والرشداء.

مبادرات تعزز التكافل المجتمعي
وأضاف الحسني أن هناك مبادرات وتجارب انطلقت من بعض المجالس وعممت على أخرى، مثل إبراز دورها في خدمة المجتمع والتكافل المجتمعي، والمساهمة في الزواج الجماعي، وتنظيم حملات تنظيف القرى بعد الأنواء المناخية. وتسهم المجالس في تعزيز التماسك الاجتماعي وروح التعاون من خلال اللقاءات والفعاليات التي تجمع أفراد المجتمع، مما ينعكس إيجابًا على تماسك المجتمع ووحدته. وأشار إلى أن هذا الدور يشمل أيضًا دعم الأسر المحتاجة، عبر تقديم المساعدة وإتاحة المجلس للمناسبات كالأفراح ومجالس العزاء، في إطار من التكافل بين أفراد المجتمع.
الشباب والتحديات الرقمية
وفيما يتعلق بحضور الشباب، أوضح الحسني أن هناك عزوفًا ملحوظًا لدى بعضهم، يُعزى إلى ملهيات العصر وضعف المبادرة بالحضور، مؤكدًا في الوقت ذاته أن دور الأسرة في التوعية، إلى جانب جهود المجتمع، يظل عاملًا حاسمًا في تعزيز ارتباطهم بالمجالس. ومع ذلك، يمكن تجاوز هذا التحدي من خلال طرح موضوعات تهم الشباب وتنظيم أنشطة ومسابقات وأعمال تطوعية تستقطب الشباب. كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تغيير طبيعة التفاعل داخل المجالس، لكنها في الوقت ذاته أصبحت أداة مساندة في التنسيق وطرح الموضوعات والتعريف بأنشطة المجالس عبر الحسابات الإلكترونية على شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي السياق ذاته، تواجه المجالس في المناطق الحضرية بمحافظة مسقط تحديات تتعلق بالحاجة إلى تطوير خدماتها وتوفير الدعم اللازم لاستمرار دورها، خاصة مع تغير أنماط الحياة، ورغم ذلك، تظل المجالس إرثًا اجتماعيًا أصيلًا يستدعي مزيدًا من الاهتمام لضمان استمراريته وتعزيز حضوره في المجتمع.
رؤية مجتمعية من ولاية السيب
أكد سعود بن حمد بن سليم النهدي، من ولاية السيب، أن المجالس العامة تمثل امتدادًا راسخًا للتراث العُماني وصورة متجددة للسبلة التي احتضنت حياة المجتمع عبر مختلف مراحله، مشيرًا إلى تمسك المجتمع بها كجزء من موروثه الاجتماعي.
ودعا إلى دعم إنشاء المجالس داخل الأحياء السكنية بما يتيح للأهالي ممارسة عاداتهم وتقاليدهم، مع أهمية المواظبة على حضورها باعتبارها فضاءً للتواصل وتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع. وأضاف أن المجالس تظل عامرة بالحضور في المناسبات الاجتماعية والدينية، حيث يشكل التواجد فيها جزءًا أصيلًا من الممارسات التي تعزز الترابط بين الأقارب والمعارف. وأشار إلى أهمية تفعيل دور المجالس بشكل أكبر من خلال تنظيم الفعاليات والمحاضرات، وتعزيز العمل المجتمعي بالتعاون مع الجهات المعنية، بما يسهم في ترسيخ قيم الترابط والسمت العماني الأصيل وتقوية النسيج المجتمعي
مجالس مطرح… دور محوري في خدمة المجتمع

وفي ولاية مطرح، قال إبراهيم بن هودي البلوشي، وكيل سبلة مطرح ، إن المجالس العامة تمثل منبرًا اجتماعيًا تُناقش فيه شؤون المجتمع اليومية، وترتبط موضوعاتها بحياة الأهالي، من تنظيم الأعراس والعزاء والفعاليات، إلى دعم الأسر المحتاجة وتشجيع المبادرات الشبابية، إضافة إلى استضافة الأنشطة الثقافية والرياضية والمشاركة في المبادرات المجتمعية ومناقشة مشاريع تطوير المنطقة.
وأضاف أن هذه المجالس تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ روح التعاون، من خلال جمع مختلف فئات المجتمع في مكان واحد، بما يعزز التواصل والانتماء، إلى جانب دورها في الإصلاح بين الناس واحتواء النزاعات بروح ودية، مما يسهم في الحفاظ على العلاقات ومنع تفكك المجتمع، فضلًا عن توطيد ثقافة التعاون والتكافل عبر المشاركة في مختلف المناسبات كالأفراح والأتراح.
وأكد البلوشي أن المجالس في مطرح تعمل على استضافة الجمعيات الخيرية التي تتولى حصر الحالات المحتاجة، وجمع التبرعات والمساعدات من الأهالي وتوزيعها على المستحقين، إلى جانب تنظيم مبادرات خيرية مثل إفطار الصائم وحملات الدعم، بما يسهم في ترسيخ روح التعاون والتراحم، ويعزز بناء مجتمع متماسك قائم على التكافل والتضامن. كما أشار إلى أبرز الفعاليات التي احتضنها المجلس العام بولاية مطرح وهي "هاكاثون مطرح"، الذي يهدف إلى إيجاد حلول مبتكرة للتحديات المجتمعية.
تكامل الأدوار مع مكاتب الولاة
وتأتي مكاتب أصحاب السعادة الولاة في محافظة مسقط مكملةً لأدوار المجالس العامة، بوصفها حلقة وصل بين المجتمع والجهات الرسمية، تسهم في تنظيم أعمال المجالس وتفعيل مبادراتها بما يخدم الصالح العام، وذلك وفقًا لما نصّ عليه نظام المحافظات رقم (36/2022) من مسؤوليات تشمل المحافظة على النظام العام، ومتابعة شؤون القبائل، والتواصل مع الشيوخ والرشداء والمواطنين للاطلاع على احتياجاتهم. وبذلك، تتكامل أدوار المجالس مع مهام مكاتب الولاة ضمن منظومة مجتمعية متماسكة تعزز استمرارية هذا الإرث وتطوره، وتدعم دور المجالس كمنصات للتواصل وبناء مجتمع قائم على التعاون والتكافل.