الصحة النفسية في بيئة العمل.. استثمار في الإنسان قبل الإنتاج

.

Author
Al Sawt

يوليو 6, 2026

Shareشارك

مسقط : في عالم تتسارع فيه وتيرة العمل وتزداد فيه المنافسة، لم تعد الصحة النفسية في بيئة العمل رفاهية أو موضوعًا ثانويًا، بل أصبحت أحد أهم العوامل التي تحدد إنتاجية الموظف واستدامة المؤسسات. فالضغوط اليومية، وساعات العمل الطويلة، وعدم التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، كلها عوامل قد تؤدي إلى تراجع الصحة النفسية وظهور ما يعرف بـ”الاحتراق الوظيفي”.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن بيئة العمل الصحية لا تقتصر على توفير مكان آمن جسديًا، بل تشمل أيضًا توفير بيئة داعمة نفسيًا، تحترم الموظفين وتمنحهم الشعور بالأمان والانتماء والقدرة على أداء أعمالهم بكفاءة. كما تؤكد أن العمل اللائق يمكن أن يكون عاملًا مهمًا في تعزيز الصحة النفسية، بينما قد تؤدي بيئات العمل غير الصحية إلى زيادة خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب واضطرابات نفسية أخرى.

أرقام تدق ناقوس الخطر

تكشف منظمة الصحة العالمية أن نحو 15% من البالغين في سن العمل كانوا يعيشون مع أحد الاضطرابات النفسية في عام 2019. كما يُفقد العالم سنويًا ما يقارب 12 مليار يوم عمل بسبب الاكتئاب والقلق، وهو ما يكلف الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار أمريكي نتيجة انخفاض الإنتاجية.

وتؤكد هذه الأرقام أن الاهتمام بالصحة النفسية لم يعد مسؤولية الفرد وحده، بل أصبح مسؤولية مشتركة بين الموظف وصاحب العمل.

ما الذي يهدد الصحة النفسية في بيئة العمل؟

بحسب منظمة الصحة العالمية، هناك مجموعة من العوامل التي تزيد من الضغوط النفسية داخل أماكن العمل، من أبرزها:

  • عبء العمل المفرط وساعات العمل الطويلة.
  • غياب المرونة في أوقات العمل.
  • ضعف الدعم من المديرين أو الزملاء.
  • التنمر أو التحرش أو التمييز.
  • عدم وضوح الأدوار والمسؤوليات.
  • انعدام الاستقرار الوظيفي.
  • ضعف فرص التطور المهني.

وقد تؤدي هذه العوامل، إذا استمرت لفترات طويلة، إلى الإرهاق النفسي، وانخفاض الدافعية، وتراجع الأداء الوظيفي، وارتفاع معدلات الغياب عن العمل.

الاحتراق الوظيفي… أكثر من مجرد إرهاق

يعتقد كثيرون أن الاحتراق الوظيفي يعني الشعور بالتعب فقط، إلا أنه في الحقيقة حالة تنتج عن التعرض المزمن لضغوط العمل دون إدارة فعالة لها.

ومن أبرز علاماته:

  • الشعور المستمر بالإرهاق.
  • فقدان الحماس تجاه العمل.
  • انخفاض التركيز والإنتاجية.
  • الشعور باللامبالاة أو الانفصال عن بيئة العمل.
  • زيادة التوتر والانفعال.

ورغم أن هذه الأعراض قد تبدأ بشكل بسيط، فإن تجاهلها قد يؤدي إلى آثار صحية ونفسية طويلة المدى.

كيف يمكن للمؤسسات حماية موظفيها؟

تشدد منظمة الصحة العالمية على أن الحل لا يكمن في مطالبة الموظف فقط بتحمل الضغوط، وإنما في بناء بيئة عمل صحية تعتمد على الوقاية والدعم.

ومن أبرز الممارسات التي توصي بها:

  • تدريب المديرين على التعرف إلى مؤشرات الضغوط النفسية.
  • تعزيز ثقافة الحوار والانفتاح.
  • توفير المرونة في ساعات العمل عند الحاجة.
  • مكافحة التنمر والتمييز داخل المؤسسة.
  • توفير برامج دعم نفسي وإرشاد للموظفين.
  • إعادة توزيع أعباء العمل بصورة عادلة.

مسؤولية مشتركة

الصحة النفسية ليست مسؤولية المؤسسة وحدها، بل يشارك الموظف أيضًا في الحفاظ عليها من خلال تنظيم ساعات العمل، وأخذ فترات راحة، وممارسة النشاط البدني، وطلب المساعدة عند الشعور بضغط مستمر، وعدم التردد في الحديث مع المسؤولين عند مواجهة تحديات تؤثر في الأداء أو الصحة.

مع التغيرات المتسارعة في سوق العمل، أصبح الاستثمار في الصحة النفسية استثمارًا في نجاح المؤسسات نفسها. فالموظف الذي يشعر بالأمان والتقدير والدعم، يكون أكثر قدرة على الإبداع والإنتاج والاستمرار. لذلك، فإن بناء بيئة عمل صحية لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها تحديات العصر، لما لها من أثر مباشر على الإنسان والمؤسسة والاقتصاد على حد سواء.

رياضة