الأفلاج في مسقط… نظام مائي عريق يجسد الاستدامة ويعزز الأمن المائي عبر الأجيال
مسقط : رغم التطور العمراني المتسارع الذي تشهده محافظة مسقط، ما تزال الأفلاج حاضرة كأحد أبرز الشواهد على قدرة الإنسان العُماني على التكيّف مع بيئته وإدارة موارده المائية بكفاءة منذ آلاف السنين. فهذا النظام التقليدي، الذي يُعد من أقدم أنظمة الري في المنطقة، شكّل عبر التاريخ مصدراً رئيسياً للمياه، وأسهم في استقرار المجتمعات ونمو النشاط الزراعي، إذ نجح العُمانيون في ابتكار نظام مائي متكامل لنقل المياه من مصادرها المختلفة، رغم صعوبة التضاريس واتساع الرقعة الجغرافية.

ويعتمد الفلج على نقل المياه من مصادرها الطبيعية، سواء من المياه الجوفية أو العيون أو الجريان السطحي، عبر قنوات منحدرة تمتد لمسافات طويلة وصولاً إلى المناطق الزراعية والسكنية. وقد صُممت هذه القنوات بعناية لضمان انسياب المياه دون الحاجة إلى وسائل ميكانيكية، مع مراعاة تقليل التكلفة وتحقيق الاستدامة، في نموذج فريد يجمع بين البساطة والكفاءة.
لا تقتصر أهمية الأفلاج وفي محافظة مسقط على كونها مصدراً للمياه فحسب؛ إنما هي جزء من منظومة اجتماعية متكاملة، تنظم توزيع المياه وفق نظام زمني دقيق، وتراعي أولويات الاستخدام بين الشرب والزراعة، في صورة تعكس عمق الوعي العُماني بأهمية هذا المورد الحيوي وحسن إدارته. حيث يبلغ عدد الأفلاج في سلطنة عُمان نحو 4112 فلجاً، منها 239 فلجاً في محافظة مسقط، تتوزع بين دائمة ومنقطعة الجريان. وتحتضن ولاية قريات العدد الأكبر من الأفلاج في محافظة مسقط، تليها ولايات بوشر والعامرات والسيب.
أنواع الأفلاج
تنقسم الأفلاج في سلطنة عُمان إلى ثلاثة أنواع رئيسية، الأفلاج الداوودية الأكثر تعقيداً من الناحية الهندسية، إذ تُحفر على شكل أنفاق تحت الأرض تمتد لعدة كيلومترات، وتتميز باستمرارية جريانها طوال العام، وتشكل نسبة مهمة من إجمالي الأفلاج. أما الأفلاج العينية: فتعتمد على العيون المائية الطبيعية، وغالباً ما تكون مياهها دافئة أو ساخنة، وتنتشر في المناطق الجبلية، كما هو الحال في عيون ولاية بوشر. في حين تستمد الأفلاج الغيلية مياهها من الجريان السطحي أو شبه السطحي، وترتبط بشكل مباشر بكميات الأمطار، ما يجعلها عرضة للجفاف في فترات الانقطاع المطري.

ولاية مسقط
يبلغ عدد الأفلاج المحصورة في ولاية مسقط ثلاثة أفلاج، منها فلجان حيان وفلج واحد ميت. ويتوزع هذا العدد بين فلج عيني حي هو فلج زكت، وفلجين غيليين أحدهما حي وهو فلج حور يتي، والآخر فلج ميت. وعلى الرغم من محدودية العدد، فإن هذه الأفلاج تظل ذات أهمية في دعم الاستخدامات المحلية.
ولاية قريات
تحتضن ولاية قريات أكثر عدد من الأفلاج المحصورة بين ولايات محافظة مسقط، بإجمالي يبلغ 117 فلجاً، منها 90 فلجاً دائم الجريان و27 فلجاً منقطعة الجريان، وهو ما يعكس وفرة الموارد المائية وتنوع مصادرها في الولاية. إذ يبلغ عدد الأفلاج الداوودية 10 أفلاج، منها 6 أفلاج حية و4 أفلاج ميتة، فيما يصل عدد الأفلاج العينية إلى 50 فلجاً، تضم 46 فلجاً حياً و4 أفلاج ميتة. أما الأفلاج الغيلية، فهي الأكثر عدداً بواقع 57 فلجاً، منها 38 فلجاً حياً و19 فلجاً ميتاً، ما يشير إلى انتشارها الواسع ضمن منظومة الأفلاج في قريات.
ولاية بوشر
وتضم ولاية بوشر نحو 52 فلجاً، منها 40 فلجاً حيّاً و10 أفلاج ميتة، ما يعكس حضوراً لافتاً لمنظومة الأفلاج في الولاية. وتتوزع هذه الأفلاج بين الأنواع الثلاثة، حيث يبلغ عدد الأفلاج العينية 47 فلجاً، ويتميز عدد منها بارتفاع درجة حرارة مياهه، إلى جانب 4 أفلاج غيلية. وتشتهر الولاية بعدد من الأفلاج المعروفة، من بينها فلج يد، وفلج العوابي، وفلج الرصاصي، وفلج الكبريتي، وفلج الحمام، وفلج غلا. كما تزخر ولاية بوشر بعدد من العيون المائية، مثل عين الحمام وعين غلا وعين شرقا، التي تتفرد بخصائصها المعدنية والحرارية. ويبرز فلج الحمام كأحد أشهر أفلاج المحافظة، إذ يقع في بلدة الحمام ذات الامتداد التاريخي الذي يتجاوز 300 عام، وتحيط به معالم عمرانية عريقة من مساجد وقلاع وأبراج. وتصل درجة حرارة مياهه إلى نحو 60–65 درجة مئوية، ما أكسبه أهمية مزدوجة في الاستخدامين الزراعي والعلاجي. وفي السياق ذاته، يُعد فلج الغيز الأكبر من حيث عدد السواعد، في دلالة على حجمه واتساع نطاق الاستفادة منه.
ولاية العامرات
وتحتضن ولاية العامرات مجموعة من الأفلاج، حيث تم حصر 49 فلجاً، منها 30 فلجاً حيّاً و19 فلجاً ميتاً، ويبلغ عدد الأفلاج الداوودية 7 أفلاج، منها 3 أفلاج حية، من أبرزها فلج الأسود وفلج الفيفاء وفلج الخبين. فيما يصل عدد الأفلاج العينية إلى 25 فلجاً، تضم 18 فلجاً حيّاً، من أهمها فلج العامرات وفلج البجرية وفلج ركيب. أما الأفلاج الغيلية، فيبلغ عددها 17 فلجاً، منها 9 أفلاج حية، من بينها فلج المنظرية وفلج حيم وفلج فؤاد وفلج عرقي وفلج الجعيدي وفلج العاصي وفلج العوابي.
ويبرز فلج الأسود كأحد أهم الأفلاج في الولاية، وهو فلج داوودي يمتد بطول يقارب 1885 متراً، ويغذي مساحات زراعية واسعة تضم آلاف أشجار النخيل. كما يُعد فلج العامرات، وهو من الأفلاج العينية، من الأفلاج البارزة أيضاً في الولاية، إذ يبلغ طوله نحو 1100 متر، ما يعكس أهمية هذه المنظومة في دعم النشاط الزراعي بالولاية.
ولاية السيب
وقد بلغ عدد الأفلاج المحصورة في ولاية السيب 16 فلجاً، منها 8 أفلاج حية و8 أفلاج ميتة، ويصل عدد الأفلاج الداؤودية إلى 7 أفلاج، من بينها فلجان حيان هما فلج وادي الجبه وفلج المغرة. فيما يبلغ عدد الأفلاج العينية 6 أفلاج، تضم 4 أفلاج حية، من أبرزها فلج المريرات وفلج الوقيبة وفلج الرسيس. أما الأفلاج الغيلية، فيبلغ عددها 3 أفلاج، منها فلجان حيان هما فلج السراة وفلج أبو بياحة، إلى جانب فلج واحد ميت. وتبرز هذه الأرقام حضور منظومة الأفلاج في السيب، ودورها في دعم الاستخدامات الزراعية وتوفير المياه، رغم محدودية عددها مقارنة ببعض ولايات المحافظة.
ولاية مطرح
وتضم ولاية مطرح فلجين فقط، كلاهما حيّان؛ أحدهما هو فلج الوطية، والآخر فلج بيت الفلج. ويبرز فلج بيت الفلج كأحد أهم أفلاج المحافظة، إذ يُعد الأطول من حيث مجموع أطوال السواعد، وبه عدد (4) سواعد وهي ( مطرح ، الوشل ، روي ، وادي الكبير) ، حيث يصل طوله الإجمالي إلى نحو 6212 متراً ، ما يعكس حجمه وأهميته ضمن منظومة الأفلاج في مسقط.
الأفلاج ..إرث وطني
تتجلى أهمية الأفلاج بوصفها أكثر من مجرد قنوات لنقل المياه؛ فهي منظومة متكاملة تجمع بين دورها الحيوي كمورد مائي أسهم عبر قرون في استقرار الإنسان واستدامة النشاط الزراعي، وبين قيمتها التراثية والسياحية التي تمنحها حضوراً متجدداً في المشهد المحلي. فبما تحمله من دقة هندسية وامتداد تاريخي عريق، تحولت الأفلاج إلى وجهات تستقطب الزوار، وتروي قصة الإنسان العُماني في تفاعله الواعي مع بيئته.
وتبرز الحاجة إلى مواصلة الجهود الوطنية للحفاظ على هذه المنظومة في ظل التحديات المناخية وتزايد الضغوط على الموارد المائية، من خلال صيانتها وتطويرها وفق أسس علمية حديثة، مع الحفاظ على أصالتها. ويشمل ذلك تعزيز الوعي المجتمعي، وسنّ التشريعات المنظمة، وتطبيق أفضل الممارسات في إدارة المياه، بما يضمن استدامة هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة.
كما ستقوم الوزارة في متابعة الحالة الإنشائية والمائية لكل فلج ، وأعمال الصيانة الدورية لديمومة وصول المياه إلى الزراعات القائمة عليها.