يؤدي الارتفاع المتزايد في معدلات إدمان الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ما يُعرف بـ"تعفّن الدماغ"
مسقط :يؤدي الارتفاع المتزايد في معدلات إدمان الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ما يُعرف بـ"تعفّن الدماغ" (Brain Rot)، والارتباط الوثيق بينها وبين التأثيرات المحتملة على القدرات المعرفية والسلوكية لدى الأفراد، لا سيما فئة الشباب.
وأكدت دراسات عالمية أن "تعفّن الدماغ" ليس مجرد مصطلح يتداوله مستخدمو الإنترنت، بل هو تعبير عن حالة من التدهور المعرفي الرقمي الناتج عن الاستهلاك المفرط للمحتوى سريع الوتيرة وغير المترابط، حيث يؤدي التمرير المستمر لمقاطع الفيديو القصيرة) مثل TikTok و (Reels إلى فقدان التركيز في الدماغ، ويجعل من الأنشطة التي تتطلب تركيزًا طويلًا مثل القراءة أو الدراسة تبدو مملة ومرهقة، مما يؤدي إلى تشتت ذهني مزمن.
وقالت الدكتورة تماضر بنت سعيد المحروقية، طبيبة في الطب السلوكي والصحة النفسية بمستشفى جامعة السلطان قابوس، إن ظاهرة "تعفّن الدماغ" حتى الآن لا تُعد تشخيصًا طبيًا أو نفسيًا معترفًا به في التصنيفات التشخيصية العلمية المستخدمة في الطب السلوكي والصحة النفسية، وهي أقرب إلى مصطلح ثقافي-وصفي يشير إلى الاشتغال المفرط بالمحتوى الرقمي السطحي أو سريع الاستهلاك، وما قد يصاحبه من تراجع في بعض القدرات الإدراكية، مثل الانتباه، والتركيز، والتحمّل المعرفي، وقد اختارت دار النشر بجامعة أكسفورد مصطلح "brain rot" عام 2024، تعبيرًا عن القلق المتزايد من الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي منخفض القيمة.
وأضافت أن الاستهلاك المستمر للمحتوى القصير والسريع وغير المترابط يضعف التحمل المعرفي؛ أي قدرة الفرد على البقاء مع فكرة طويلة أو تحليل معقد لفترة كافية، فالدماغ يتعوّد على الانتقال السريع بين مثيرات متقطعة، مما قد يقلل من القدرة على القراءة العميقة، والتفكير التحليلي، وبناء الروابط المنطقية بين المعلومات. لذلك، لا تكمن المشكلة في مشاهدة محتوى قصير من حين لآخر، بل في تحوّله إلى النمط الأساسي لاستهلاك المعرفة، مما قد يؤثر سلبًا في وظائف إدراكية مهمة، مثل الإبداع، والتحليل، وحل المشكلات.
وذكرت أن هرمون الدوبامين يلعب دورًا محوريًا في نظام المكافأة والتوقع، فالمنصات الرقمية لا تقدم المتعة فقط، بل توفر مكافآت متغيرة وغير متوقعة، مثل: فيديو مضحك، أو إشعار، أو إعجاب، أو تعليق، أو محتوى مثير، ويشبه هذا النمط ما يُعرف بـ"التعزيز المتقطع"، وهو من أكثر أنماط التعلم السلوكي قدرة على تثبيت العادات، ومع خاصية التمرير اللانهائي والخوارزميات المصممة لتوقع ما يجذب المستخدم، يتحول الهاتف إلى مصدر مستمر للمكافآت السريعة، مما قد يضعف تحمّل الملل ويزيد من البحث القهري عن التحفيز اللحظي.
وأوضحت أن هناك ارتباطات محتملة بين الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي السريع وزيادة التشتت، والمقارنة الاجتماعية، والخوف من فوات الأخبار والأحداث، واضطراب النوم، وهذه العوامل قد تسهم في ارتفاع معدلات القلق والتوتر، كما تشير بعض الدراسات حول إدمان الفيديوهات القصيرة إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المفرط وضعف التحكم الانتباهي والتسويف الأكاديمي، وهي عوامل قد تنعكس سلبًا على الصحة النفسية والأداء الاجتماعي.
وأشارت إلى أنه لا يمكن القول إن الجيل الجديد يمتلك "ذاكرة لحظية فقط"، فهذا تعميم غير دقيق، لكن كثافة المحتوى السريع والمتقطع قد تقلل من فرص ترسيخ المعلومات في الذاكرة طويلة الأمد، التي تحتاج إلى انتباه، وتكرار، ومعنى، وربط بالمعلومات السابقة، وعندما يكون الاستهلاك سريعًا ومشتتًا، تبقى المعلومات غالبًا في مستوى الانطباع اللحظي، ولا تتحول إلى معرفة مستقرة، لذلك، فإن الخطر لا يتمثل في اختفاء الذاكرة، بل في ضعف جودة الترميز المعرفي وعمق المعالجة.
ومن جانبه قال الدكتور معمر بن علي التوبي، أكاديمي وباحث عُماني، إن مصطلح التعفّن الدماغي برز نتيجة للإدمان على المنصات الرقمية أو الألعاب الإلكترونية، والتعامل غير المتوازن مع نماذج الذكاء الاصطناعي، ليؤدي إلى حالة من الخمول أو التبلّد الذهني الذي يصيب الدماغ نتيجة الاستهلاك المتكرر للتقنيات الرقمية السريعة، وتعمل هذه الظاهرة وفق آلية التعرض المتكرر ونمط الإدمان السلوكي؛ حيث يجري ضبط نظام المكافأة الدوباميني (الشعور بالمتعة والرضا لمدة قصيرة) في الدماغ بصورة تجعله معتادًا على التحفيز السريع والمتقطع.
وأضاف أن المشكلة عند الأطفال تكون مضاعفة، فيضعف كفاءة بعض الشبكات العصبية نتيجة الاستخدام المفرط لهذه المنصات الرقمية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على عدد من المهارات المعرفية الأساسية، مثل التركيز، والذاكرة العاملة، والقدرة على التحليل، لكن لا تقتصر المشكلة على الأطفال فحسب، فهناك دراسات متعددة تشير إلى أن التأثيرات التراكمية للاستهلاك الرقمي المكثّف يمكن أن تظهر أيضًا لدى فئة الشباب والكبار على المدى الطويل.
وأوضح أن هناك خططًا متعددة لممارسة ما يُعرف بالصيام الرقمي، وأفضلها أن تكون قائمة على تصميم واضح وإرادة حازمة، وتمتدّ لفترة زمنية لا تقلّ عن عشرين يومًا أو أكثر، في هذه الفترة يتعهّد الشخص بالانخراط في أنشطة بديلة ذات قيمة مثل: ممارسة الرياضة، والقراءة، والكتابة الحرة، والتعبير الإبداعي، وغيرها من الهوايات التي تعيد تنشيط القدرات الذهنية بصورة طبيعية ومتوازنة.
وأضاف أنه كذلك يلتزم أثناء هذه المرحلة بإلغاء أو تعطيل المنصات الرقمية بمختلف أنواعها، أو على الأقل الابتعاد عنها بشكل شبه كامل، ويُستحسن كذلك تقليل مدة استعمال الهاتف إلى الحدّ الأدنى، كأن يخصّص وقتًا محددًا للرد على الاتصالات والرسائل -ساعة أو ساعتين يوميًّا مثلًا- بينما يقضي بقية اليوم في حالة انقطاع واعٍ عن الاستهلاك الرقمي.
وقالت إيمان بنت عبد الله الكيومية، أخصائية إرشاد وتوجيه بمركز الإرشاد الطلابي في جامعة السلطان قابوس، إن مصطلح "تعفّن الدماغ" لا يُصنّف كونه مرضًا طبيًّا عضويًّا بالمعنى الدقيق، وإنما هو "متلازمة سلوكية معرفية" تصف حالة من الركود والكسل الذهني، تصيب الدماغ نتيجة غياب الاستثمار الحقيقي لقدراته العليا مثل التفكير العميق والتحليل المنطقي.
وأوضحت الكيومية في طرح علمي أن المحتوى القصير يشكّل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل الجيل القادم إذا ما تحول إلى نمط سائد للاستهلاك المعرفي، مشيرةً إلى أن المؤشرات الميدانية والجلسات الإرشادية ترصد تراجعًا ملحوظًا في قدرة الطلبة والناشئة على التركيز لفترات طويلة مقارنة بالأجيال السابقة.
وأشارت إلى أن الفرق بين "الاستخدام الواعي" للتقنية و"الإدمان الرقمي" يكمن في عنصر "التحكم"، حيث يكون الفرد الواعي هو المتحكم في وقت ونوعية المحتوى بما يخدم أولوياته، بينما يتحول الشخص المدمن إلى سلوك قهري يُفقد الإنسان إحساسه بالوقت ويؤثر سلبًا على جودة حياته وأدائه الأكاديمي والمهني.
وأكدت أن "التنظيم الواعي" هو الخيار الأمثل والواقعي لمواجهة هذه الظاهرة، بدلًا من المنع التام الذي يؤدي لنتائج عكسية، داعيةً إلى ضرورة تحقيق توازن صحي بين التفاعل الرقمي والأنشطة الذهنية والحياتية الأخرى، بما يضمن بناء جيل قادر على التفكير التحليلي والإبداع المستمر.
جدير بالذكر أن الجهات المختصة في سلطنة عُمان تولي اهتمامًا متزايدًا لمواجهة تحديات الإدمان الرقمي، ومنها التأكيد على دور الأسرة والمجتمع في حماية الناشئة من التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي، وتعزيز الوعي حول الاستخدام الآمن والمفيد للمنصات، ودراسة الظواهر النفسية المرتبطة بها مثل: العزلة والقلق والاكتئاب، وتعمل هذه الجهات وفق استراتيجية تتكامل فيها الأدوار التعليمية والوقائية والتقنية.