.
مسقط : م تعد التطورات الأخيرة في مضيق هرمز تقتصر على المخاوف الأمنية أو اضطراب حركة الملاحة، بل أعادت إلى الواجهة نقاشًا أوسع حول الإطار القانوني الذي يحكم أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وبين التصعيد العسكري والتنافس السياسي، يبرز سؤال جوهري: من يملك تنظيم العبور في المضيق، وما حدود صلاحيات الدول المطلة عليه وفق القانون الدولي؟
ويُعد مضيق هرمز شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ومع تزايد التوترات الإقليمية، عادت المخاوف من أن تتحول الأزمة الأمنية إلى خلاف قانوني حول قواعد المرور وحقوق الدول الساحلية ومسؤولياتها.
وينظم القانون الدولي هذه المسألة من خلال اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي أقرت نظام المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، بما يضمن استمرار حركة السفن والطائرات بصورة متواصلة وسريعة، مع منح الدول الساحلية صلاحيات تتعلق بسلامة الملاحة وحماية البيئة البحرية، دون أن تمتد إلى تعطيل العبور أو فرض قيود تتجاوز ما يسمح به القانون. كما تنص الاتفاقية على أن حق المرور العابر لا يجوز تعليقه، حتى في أوقات الأزمات.
ويرى مختصون في القانون البحري أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بحرية الملاحة، بل بكيفية تحقيق التوازن بين سيادة الدول المشاطئة وحقوق المجتمع الدولي في استخدام الممرات البحرية. ويشيرون إلى أن تحويل الموقع الجغرافي إلى أداة للضغط السياسي قد يفتح الباب أمام أزمات متكررة، في حين أن الالتزام بالقواعد القانونية يوفر إطارًا أكثر استقرارًا لإدارة حركة العبور.
وفي هذا السياق، تبرز سلطنة عُمان بوصفها إحدى الدول المشاطئة للمضيق، إذ يجمع موقعها بين المسؤولية القانونية والدور الدبلوماسي. وخلال التطورات الأخيرة أعلنت السلطنة، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، إتاحة ممر بحري مؤقت لعبور السفن وفق ترتيبات فنية محددة، بهدف المحافظة على انسيابية الملاحة وتقليل المخاطر التي تواجه السفن العابرة، من دون فرض رسوم إضافية.
وتؤكد المنظمة البحرية الدولية أن سلامة البحارة واستمرار حركة الملاحة يمثلان أولوية في ظل التوترات القائمة، مشيرة إلى أن آلاف البحارة والسفن تأثروا بالتطورات الأخيرة في المنطقة، وهو ما دفع إلى تنسيق إجراءات استثنائية لضمان استمرار العبور بصورة آمنة.
ورغم أن الإجراءات الأمنية قد تسهم في الحد من المخاطر الآنية، إلا أن خبراء القانون البحري يرون أن الحلول العسكرية تبقى مؤقتة بطبيعتها، بينما يحتاج استقرار الملاحة إلى قواعد قانونية واضحة وآليات دائمة لإدارة الأزمات، بما يضمن حماية سيادة الدول الساحلية والحفاظ في الوقت نفسه على حرية الملاحة الدولية.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، يبدو أن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف المختلفة على الفصل بين الخلافات السياسية والقواعد القانونية المنظمة للعبور، بحيث يبقى أحد أهم الممرات البحرية في العالم مفتوحًا أمام التجارة الدولية وفق أحكام القانون الدولي، بعيدًا عن تداعيات الأزمات المتلاحقة.