.
مسقط : تتجه دول مجلس التعاون الخليجي إلى توسيع الاعتماد على الحلول الرقمية في التجارة والجمارك، في خطوة يمكن أن تسهم في تقليص الوقت والتكاليف المرتبطة بحركة السلع بين الأسواق الخليجية، وتعزيز قدرة الشركات على الوصول إلى أسواق جديدة بكفاءة أعلى.
وتأتي هذه التحولات في وقت سجلت فيه التجارة البينية الخليجية أكثر من 146 مليار دولار خلال عام 2024، بنمو سنوي بلغ 9.8%، وفق بيانات الأمانة العامة لمجلس التعاون، بما يعكس اتساع حركة التبادل التجاري بين دول المجلس ويبرز أهمية تطوير أدوات جديدة لدعم هذا النمو.
وتبرز الرقمنة الجمركية وتبادل البيانات إلكترونيًا كأحد المسارات الرئيسية لخفض تكلفة التجارة، إذ وافق المجلس الأعلى لمجلس التعاون على التشغيل التدريجي لمنصة تبادل البيانات الجمركية الخليجية خلال النصف الثاني من عام 2026، ضمن الجهود الرامية إلى استكمال متطلبات الاتحاد الجمركي وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول المجلس.
ومن شأن ربط الأنظمة الجمركية وتبادل البيانات إلكترونيًا أن يقلل الاعتماد على المعاملات الورقية وتكرار تقديم المستندات، إلى جانب تسريع الإجراءات المرتبطة بالتخليص والإفراج عن الشحنات. كما يتيح التكامل الرقمي للجهات المعنية التعامل مع البيانات بصورة أكثر كفاءة، بما يدعم حركة السلع عبر المنافذ الخليجية.
وتؤكد منظمة التجارة العالمية أن تحسين الاتصال الرقمي يمكن أن يخفض تكاليف التجارة من خلال تقليل تكاليف المعاملات، وتحسين الوصول إلى المعلومات، ورفع كفاءة الجمارك والخدمات اللوجستية. ووفق دراسة للمنظمة شملت 58 اقتصادًا، فإن زيادة الاتصال الرقمي بمقدار 10 نقاط مئوية ترتبط بانخفاض متوسط تكاليف التجارة بنحو 2% للسلع والخدمات.
ولا يقتصر أثر التكنولوجيا على الإجراءات الجمركية، إذ تمتد فرص خفض التكلفة إلى قطاع النقل والخدمات اللوجستية، من خلال أنظمة تتبع الشحنات، والمنصات الرقمية لإدارة سلاسل الإمداد، وتحليل البيانات، والأدوات التي تساعد الشركات على تحسين إدارة المخزون وتوقع الطلب وتقليل فترات الانتظار.
كما يمكن للتجارة الإلكترونية أن توسع قاعدة الشركات القادرة على دخول الأسواق الخليجية، خصوصًا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، عبر تقليل الحاجة إلى الحضور المادي في الأسواق المستهدفة وتسهيل عمليات التسويق والبيع والدفع وخدمة العملاء عبر الحدود.
وفي هذا الإطار، تعمل دول مجلس التعاون على تطوير قواعد موحدة لتنظيم التجارة الإلكترونية، إلى جانب إعداد أطر تنظيمية للأسواق الرقمية وتشجيع الاستثمار في البنية الأساسية والبحوث والابتكار المرتبط بالاقتصاد الرقمي.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية أكبر للقطاع الخاص، إذ يمكن للشركات الخليجية الاستفادة من البنية الرقمية الجديدة في تطوير حلول مرتبطة بالتخليص الجمركي، وإدارة الشحن، والتخزين، والمدفوعات، والتمويل التجاري، بما يخلق منظومة أكثر ترابطًا بين المنتج والمستورد وشركات النقل والجهات الحكومية.
وتشير بيانات منظمة التجارة العالمية إلى أن أثر الرقمنة لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل يتعزز مع وجود أطر تنظيمية تدعم تدفق البيانات عبر الحدود وتوفر بنية رقمية مفتوحة وموثوقة. ولذلك فإن توحيد المعايير والإجراءات الخليجية يمثل عنصرًا أساسيًا للاستفادة الكاملة من التحول الرقمي في التجارة.
ومع استمرار نمو التجارة البينية الخليجية وتوسع مشاريع التكامل الاقتصادي، يمكن للتحول الرقمي أن ينتقل بالتجارة الخليجية من مرحلة تبادل السلع بين أسواق متجاورة إلى منظومة أكثر تكاملًا تعتمد على البيانات الموحدة، والإجراءات الرقمية، والخدمات اللوجستية الذكية، والتجارة الإلكترونية.
وبذلك لا تقتصر أهمية التكنولوجيا على تسريع المعاملات، بل تمتد إلى خفض تكاليف التشغيل، تقليل الوقت اللازم لحركة البضائع، تحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وتوسيع قدرة الشركات الخليجية على المنافسة داخل المنطقة وخارجها.