.
مسقط : وسط تعثر المسار الأميركي ـ الإيراني المباشر، برزت سلطنة عُمان مجددًا كقناة رئيسية للاتصالات، خصوصًا في واحد من أكثر الملفات حساسية في الأزمة: حرية الملاحة في مضيق هرمز.
ومنذ يونيو، واصلت مسقط اتصالاتها مع طهران بشأن ضمان المرور الآمن في المضيق، إذ أكدت عُمان وإيران التزامهما بحرية وأمان الملاحة وفقًا للقانون الدولي، مع التأكيد على مواصلة التنسيق بشأن ترتيبات الملاحة.
وفي 11 يوليو، استضافت مسقط مباحثات عُمانية ـ إيرانية حول سلامة وحرية الملاحة في المضيق، ترأسها وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي ونظيره الإيراني عباس عراقجي، واتفق الجانبان على مواصلة المشاورات على المستويين الفني والسياسي للتوصل إلى التوافقات المطلوبة.
ولم تتوقف الجهود العُمانية عند الحوار السياسي، إذ أعلنت مسقط في يونيو، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، العمل على إتاحة ممر بحري مؤقت للسفن الراغبة في العبور، في إطار مساعيها للحفاظ على حرية الملاحة ومنع تحول الأزمة إلى أزمة ممتدة في أحد أهم الممرات البحرية عالميًا.
وفي أحدث التطورات، قالت إيران إنها تقترب من إبرام اتفاق مع عُمان يحدد ممرات جديدة لحركة السفن في مضيق هرمز. إلا أن طهران أوضحت في الوقت نفسه أن التوصل إلى هذا الترتيب لا يعني بالضرورة إعادة فتح المضيق بصورة فورية، إذ تربط الخطوة بإجراءات أخرى من الجانب الأميركي، من بينها رفع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء ما تعتبره طهران تهديدات أو إجراءات عسكرية ضدها.
وبذلك، تحوّل ملف الملاحة في هرمز إلى أحد أهم المسارات التي لا تزال تسمح بإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، حتى مع تعثر التفاهم الأميركي ـ الإيراني نفسه.
مع اقتراب الموعد الأصلي لانتهاء فترة الـ60 يومًا، لا تشير المعطيات الحالية إلى اتفاق نهائي شامل بين واشنطن وطهران، بل إلى استمرار حالة الجمود والاتصالات غير المباشرة، بالتوازي مع تصاعد الضغوط والمواقف المتبادلة.
ففي 12 أغسطس، قالت إيران إنه لم يُحرز تقدم في جهود إحياء التفاهم المؤقت مع الولايات المتحدة، بعدما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن في يوليو أن التفاهم «انتهى»، فيما وصفت طهران الاتفاق لاحقًا بأنه «معلّق».
وفي الوقت نفسه، لا تزال طهران ترفض العودة إلى مفاوضات مباشرة مع واشنطن، بينما تستمر الاتصالات عبر الوسطاء. ويظل مضيق هرمز في قلب هذه الاتصالات، ليس فقط باعتباره ملفًا أمنيًا وسياسيًا، وإنما باعتباره شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة والطاقة في المنطقة والعالم.
وعلى الأرض، لا تزال حركة الملاحة في المضيق محدودة. ووفق بيانات نقلتها رويترز في 14 أغسطس، انخفض عدد ناقلات السلع التي تعبر المضيق إلى مستويات أقل من المتوسط الشهري، مع استمرار التوتر وتبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن السيطرة على الممر المائي.
وفي هذا المشهد، يحتفظ المسار العُماني بأهمية استثنائية؛ فمسقط لا تتحرك فقط كوسيط بين طرفين متخاصمين، وإنما باعتبارها دولة ساحلية في مضيق هرمز ومعنية مباشرة بأمن الملاحة واستقرار المنطقة. وقد أكدت وزارة الخارجية العُمانية استمرار تعاونها «الشفاف والمحايد» مع جميع الأطراف بهدف استعادة حرية الملاحة في المضيق، وفق القانون الدولي.
لذلك، فإن السؤال مع حلول 17 أغسطس لا يقتصر على ما إذا كانت مهلة الـ60 يومًا قد انتهت، بل يتجاوز ذلك إلى مصير التفاهم نفسه: هل كانت هذه المهلة نهاية لمسار تفاوضي لم يكتمل، أم أنها مجرد مرحلة أولى يمكن أن تفتح الطريق أمام صيغة جديدة للتفاوض والوساطة؟
وفي الحالتين، يبدو أن مضيق هرمز سيبقى أحد مفاتيح أي تسوية مقبلة، فيما تواصل سلطنة عُمان لعب دورها في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، والبحث عن ترتيبات عملية وقانونية تضمن حرية الملاحة وتحد من احتمالات اتساع الأزمة.