.
مسقط : تتمسك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمضي قدماً في اتفاقية التعاون النووي المدني مع المملكة العربية السعودية، رغم الجدل الذي أثارته الاتفاقية، خصوصاً فيما يتعلق بإمكانية السماح للرياض مستقبلاً بتخصيب اليورانيوم.
وترى واشنطن أن التخلي عن الاتفاق أو السماح بانهياره قد لا يصب في مصلحتها، بل قد يؤدي إلى خسارة نفوذ مهم في المنطقة، ويفتح الباب أمام روسيا والصين لتعزيز حضورهما في قطاع الطاقة النووية السعودي.
وبينما يمثل منع الانتشار النووي أولوية أساسية للولايات المتحدة، فإن الاتفاقية تحمل أيضاً أبعاداً اقتصادية وتجارية وتكنولوجية. فإبرام صفقات لبناء مفاعلات نووية أمريكية في السعودية يمكن أن يوفر آلاف الوظائف ويحقق عوائد بمليارات الدولارات، إلى جانب تعزيز حضور التكنولوجيا والمعايير الأمريكية في سوق الطاقة النووية.
ولا تقتصر المكاسب المحتملة على بناء المفاعلات، إذ تشمل كذلك عقود الصيانة وتوريد الوقود وقطع الغيار والخدمات الفنية. ونظراً إلى أن المفاعلات النووية يمكن أن تستمر في العمل لعقود طويلة، فإن مثل هذه المشاريع قادرة على بناء علاقات اقتصادية وتقنية مستدامة بين البلدين، فضلاً عن تدريب الكوادر السعودية في المجالات النووية المتخصصة.
وتأتي أهمية الاتفاق في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة النووية العالمي منافسة متزايدة. فروسيا تمتلك حضوراً قوياً في سوق تصدير المفاعلات وخدمات تخصيب اليورانيوم، بينما تعمل الصين على توسيع قدراتها النووية المحلية والاستعداد لتعزيز صادراتها من التكنولوجيا والمفاعلات.
وتتمتع الشركات الروسية والصينية كذلك بميزة تقديم حزم متكاملة تشمل التمويل والبناء والتكنولوجيا والخدمات، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على المنافسة في الأسواق التي تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على حضورها فيها.
وفي المقابل، تواجه واشنطن معادلة دقيقة بشأن قضية تخصيب اليورانيوم. فمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تمنح الدول حق استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وفق الضوابط الدولية، وبالتالي فإن فرض قيود شديدة على السعودية قد يدفعها إلى البحث عن شركاء آخرين، حتى وإن لم يكن ذلك خيارها الأول.
كما أن الولايات المتحدة سبق أن أبرمت اتفاقيات للتعاون النووي المدني مع عشرات الدول على مدى عقود، فيما تتطلب المنافسة مع روسيا والصين توسيع هذه الشراكات والدخول في أسواق جديدة، بدلاً من تركها للمنافسين.
وتكمن أهمية الاتفاق أيضاً في النفوذ الذي يمكن أن توفره واشنطن من خلال وجودها المباشر في البرنامج النووي السعودي. فالتعاون والرقابة المستمرة يمنحان الولايات المتحدة قدرة أكبر على متابعة تطورات البرنامج والتأثير في مساره، مقارنة بالابتعاد عن الاتفاق وترك المجال لشركاء آخرين.
ومن هذا المنطلق، لا تنظر واشنطن إلى الاتفاق النووي مع الرياض باعتباره مشروعاً للطاقة فقط، وإنما كأداة تجمع بين الأمن القومي والمصالح الاقتصادية والتقدم التكنولوجي والنفوذ الجيوسياسي.
وفي حال تمكنت إدارة ترامب من التوصل إلى صيغة تضمن الرقابة والضمانات المطلوبة دون الإضرار بالمصالح السعودية، فقد يمثل الاتفاق فرصة لتعزيز الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط، ودعم الشركات والتكنولوجيا الأمريكية، وفتح سوق نووية واعدة أمامها.
وبذلك، تبدو المعركة بالنسبة لواشنطن أكبر من مجرد بناء مفاعلات نووية؛ فهي تتعلق بمن سيمتلك النفوذ الأكبر في قطاع استراتيجي طويل الأمد، ومن سيحظى بالشراكة الأوسع مع السعودية في العقود المقبلة.