.
مسقط : يشهد الشرق الأوسط واحدة من أكثر موجات الاستثمار جرأةً على مستوى العالم في مجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ففي دول الخليج، يجري توجيه ما بين 30 إلى 100 مليار دولار نحو مراكز البيانات، ومنصات الحوسبة السحابية، وقدرات الحوسبة عالية الأداء. وقد بدأت المشاريع بالفعل بالوصول إلى نطاقات بمئات الميغاواط.> .
لم يعد الأمر في مرحلة التجريب المبكر، بل إن المنطقة تبني العمود الفقري المادي لاقتصاد الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة وعلى نطاق واسع. ومع ذلك، ورغم هذا التوسع في السعة، فإن الاستخدام الفعلي لا يواكبه بنفس الوتيرة.
فقط 26% من الشركات تتجاوز مرحلة التجارب الأولية، و11% فقط تحقق قيمة ملموسة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهذا يكشف عن فجوة متنامية: إذ تتقدم البنية التحتية بوتيرة أسرع من تبنيها الفعلي. فالتحدي لا يكمن في نقص التمويل أو الطموح، بل في القدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى نتائج عملية ومستدامة.
في الوقت ذاته، تعيد الضغوط الخارجية تشكيل النظرة إلى البنية التحتية إذ تمر عبر البحر الأحمر نحو 17 شبكة من كابلات الاتصالات البحرية، تشكل رابطاً حيوياً بين أوروبا وآسيا. وقد أظهرت الأضرار التي لحقت ببعض هذه الكابلات في عام 2024 مدى تركّز وتعرّض تدفقات البيانات العالمية للمخاطر.
وإلى جانب البحر الأحمر، تبرز ممرات استراتيجية أخرى تؤثر في توزيع مخاطر البنية التحتية في المنطقة. فمضيق هرمز، أحد أهم الممرات العالمية للطاقة والنقل البحري، لا يحمل فقط نسبة كبيرة من تدفقات النفط، بل يلعب أيضاً دوراً داعماً في الربط الإقليمي للبيانات. وفي ظل هذه المعطيات، لم تعد البنية التحتية تُبنى لتحقيق الكفاءة فقط، بل لتعزيز المرونة والاستدامة.
وهذا يفسر توجه دول الخليج للاستثمار الاستباقي قبل اكتمال الطلب. فالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد رهان اقتصادي، بل أصبحت خياراً استراتيجياً. إذ تسعى الحكومات إلى تعزيز السيطرة على الأنظمة الحيوية، وتقليل الاعتماد على مزودين خارجيين، وترسيخ موقعها في مشهد تقني عالمي يتجه نحو التجزؤ.
تجاوز عائق نقص الكفاءات
ورغم ذلك، لا يزال هناك قيد هيكلي يتمثل في نقص الكفاءات البشرية. إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 42% و50% من الشركات في المنطقة تعتبر نقص المهارات المتخصصة عائقاً رئيسياً أمام تبني الذكاء الاصطناعي. كما أن المعروض الحالي من الكفاءات لا يغطي سوى نحو نصف الطلب ولا يُعد هذا الفارق مسألة قصيرة الأجل يمكن سدّها سريعاً، بل يعكس بطء نمو رأس المال البشري مقارنة بسرعة توسع البنية التحتية. فالمنطقة توسّع قدراتها الحاسوبية، لكنها لم تطور بعد بالقدر الكافي الأنظمة والخبرات اللازمة لتشغيلها والاستفادة منها اقتصاديا
وعليه، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الإفراط في الاستثمار، بل في ضعف الاستفادة منه. فالشرق الأوسط لن يواجه صعوبة في بناء السعة، وإنما التحدي يكمن في تحويل هذه السعة إلى إنتاجية اقتصادية ملموسة.
القطاعات الأكثر جاهزية لتبني الذكاء الاصطناعي:
تظهر بالفعل مؤشرات واضحة على القطاعات التي يمكن أن تتحقق فيها القيمة. إذ يشهد الذكاء الاصطناعي نمواً في قطاعات تعتمد على اتخاذ القرار اللحظي، مثل الخدمات اللوجستية، والطاقة، والخدمات المالية، والتجارة السريعة. فهذه البيئات تتطلب تحسيناً مستمراً، ما يجعلها مرشحة بطبيعتها لتبني حلول الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
إن المرحلة المقبلة من تطور الذكاء الاصطناعي في المنطقة لن تعتمد على إضافة المزيد من السعة، بقدر ما ستعتمد على دمج هذه السعة في الأنظمة التي تولّد القيمة بالفعل. لقد اتخذ الشرق الأوسط خطوات حاسمة في بناء البنية التحتية، أما ما سيأتي لاحقاً فسيحدد ما إذا كانت هذه الجهود ستترجم إلى أثر اقتصادي مستدام ..
المؤلف ماتفي ديادكوف هو مستثمر في مجال التكنولوجيا ومستشار للشركات في دول الخليج، ويتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عقد في تطوير وبناء منصات البنية التحتية الرقمية عبر قطاعات الخدمات اللوجستية، والتجارة الإلكترونية، والعقارات.