إن أعظم ما يُخيفني ليس فوات بعض المنافع، ولا ضياع فرصٍ عابرة…بل تلك الأوقات التي مضت من عمري وأنا أنتظرها؛فهي لن تعود، وقد اقتطعت من رصيد الحياة شيئًا لا يُعوّض.
إن الإفراط في التمنّي، واللهاث وراء المغريات، والتشبّث بتحقيق ما نرغب به بأي صورة…يحوّل العمر إلى محطة انتظار طويلة،ويحوّل الانتظار ذاته إلى خسارةٍ لوقتٍ كنا أحوج ما نكون فيه إلى البناء لما هو حقيقيٌ ومضمون.ولا أعلم: على أي قاعدة نمضي؟نمارس حياتنا وكأن الصبر الذي تتطلبه الأيام ليس ضرورة،وكأن كل ما نريده لا بد أن يأتي… ولو بعد زمن،مع أنّ كثيرًا من الانتظار قد ينتهي بلا نتيجة،وبلا ثمرة،وبلا معنى يوازي ذلك العمر الذي ضاع.وفي المقابل… هناك أمور نعرفها يقينًا:أن كل دقيقة محسوبة،وأن كل لحظة تُكتب في اللوح المحفوظ،وأن أثرها سيعود إلينا عاجلًا أو آجلًا.
فهل كثرة انشغالنا بالحياة وتمنياتها هي التي تُسرق منا القدرة على التأمل؟هل هي التي تُبعدنا عن حقيقتها الكبرى… وأنها مزرعةٌ لحياةٍ أخرى؟أحيانًا أشعر أننا ننشغل بتزيين “سور المزرعة”،نُحكم تصميمه ونُكثر من زخرفته،كي يراه الآخرون من خارج الأسوار…بينما نغفل عن داخل المزرعة نفسها:عن تمشيطها، وسقيها، وبذرها بما ينفع،انتظارًا لنتيجةٍ حتميةٍ لا شك فيها.وقد يكون ذلك السور الذي ضيعنا عمرنا في تزيينه…لا يلتفت إليه أحد.
وإن التفت أحدهم مرةً، فقد يحسد، أو يمرّ وكأن الأمر لا يعنيه،وما ذلك بشيءٍ يضيف لنا أو ينقص منا.لكن المصيبة أن تبقى المزرعة في الداخل خرابًا،وضياعًا،وصحراء قاحلة لا تُنبت زرعًا، ولا تُؤتي أُكلًا.
تهزّني تلك المشاعر التي تزورني بين حينٍ وآخر،وتقلق سعادتي الظاهرة…حين أتأمل يومي وقد مضى في انتظار أمرٍ ليس ضروريًا،وربما ليس له قيمة إلا متعة مؤقتة،تزول بزوال تأثيرها.
وفي لحظة الصدق تلك،أنسى… أو أتناسى… الهدف الحقيقي الذي خُلقت لأجله.ربما بعض المحطات في حياتنا تحتاج إلى وقفةٍ جادة،فالعمر محدود،ولا يعود إذا مضى،ولا يمكن تخزينه أو استبداله.والصفحة التي تُطوى لن تعود،لكن يبقى ما كُتب عليها:
إن كان خيرًا فخير…وإن كان غير ذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله
إبراهيم بن سعيد الجلنداني السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦