طريق الحرير البحري.. ذاكرة التواصل الحضاري بين سلطنة عُمان والصين

.

Author
Al Sawt

نوفمبر 1, 2026

Shareشارك

مسقط : لم تكن العلاقات بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية وليدة العصر الحديث، بل تمتد جذورها إلى قرون طويلة من التواصل البحري والتبادل التجاري والحضاري، حين شكّلت الموانئ العُمانية، وفي مقدمتها صحار، محطات رئيسة على طرق التجارة التي ربطت شبه الجزيرة العربية بالهند وشرق آسيا والصين. ومن خلال حركة السفن والتجار، لم تنتقل البضائع والسلع فحسب، بل عبرت المعارف والخبرات والتقاليد، لتتكون ذاكرة مشتركة من التفاعل الإنساني والحضاري بين الشعبين.

وتبرز الأهمية التاريخية لهذا التواصل في الموقع الجغرافي الذي تتمتع به سلطنة عُمان، بإطلالتها على بحر عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي، الأمر الذي منح موانئها دورًا فاعلًا في شبكة التجارة البحرية القديمة. وقد شكّل ميناء صحار أحد أبرز المراكز التجارية في المنطقة خلال العصور الإسلامية، حيث ارتبط بحركة التبادل التجاري مع الهند والصين وبلدان أخرى، مستفيدًا من خبرة العُمانيين في الملاحة البحرية ومعرفتهم بالرياح الموسمية ومسارات التجارة.

وتؤكد المكتشفات الأثرية في صحار عمق هذه الروابط؛ إذ كشفت التنقيبات التي أُجريت في محيط قلعة صحار عن وجود قطع من الخزف الصيني، إلى جانب مصنوعات مستوردة من مناطق مختلفة، بما يعكس اتساع شبكة التبادل التجاري التي ارتبطت بالميناء. كما تشير الدراسات التاريخية والأثرية إلى أن اللبان العُماني كان من السلع المهمة التي انتقلت عبر طرق التجارة البحرية، ولم تقتصر قيمته على الجانب الاقتصادي، بل ارتبط بممارسات ثقافية واجتماعية ودينية في عدد من الحضارات.

وفي السياق ذاته، تذكر المصادر التاريخية رحلة التاجر العُماني أبي عبيدة عبد الله بن القاسم إلى الصين، التي تشير إليها سفارة سلطنة عُمان في بكين بوصفها من الشواهد المبكرة على التواصل بين البلدين، وتؤرخ وصوله إلى الصين بنحو عام 750م. وتعكس هذه الرواية قدم الحضور التجاري العُماني في الشرق الأقصى، ودور التجار والبحارة في بناء جسور التواصل بين المجتمعات.

ولم يقتصر التفاعل الحضاري على حركة التجار العُمانيين نحو الصين، بل شهدت المنطقة أيضًا اهتمامًا بالملاحة الصينية عبر المحيط الهندي، ومن أبرز الشواهد التاريخية رحلات الأسطول الصيني بقيادة تشنغ خه خلال القرن الخامس عشر الميلادي، التي ارتبطت بالتواصل مع موانئ ومناطق المحيط الهندي. وقد أعادت سلطنة عُمان استحضار هذه الذاكرة البحرية من خلال النصب التذكاري لتشنغ خه في محافظة ظفار، الذي افتُتح عام 2023، في إطار الاحتفاء بتاريخ التواصل الحضاري عبر طريق الحرير البحري.

وفي العصر الحديث، اتخذ هذا الإرث التاريخي بُعدًا رمزيًا بارزًا من خلال رحلة السفينة العُمانية «صحار»، التي أبحرت في عامي 1980 و1981 إلى الصين، في تجربة استهدفت إحياء طرق الملاحة التقليدية التي سلكها البحارة العُمانيون قديمًا. وقد وصلت السفينة إلى مدينة كانتون، المعروفة حاليًا بقوانغتشو، في يوليو 1981، بعد رحلة بحرية طويلة قطعت خلالها آلاف الأميال، لتقدم نموذجًا عمليًا لقدرات السفن العُمانية التقليدية، وتعيد إلى الذاكرة أحد أبرز مسارات التواصل البحري بين البلدين.

وتحمل هذه الرحلة دلالة تتجاوز بعدها الملاحي، إذ جسدت رغبة عُمان في إبراز إرثها البحري وإحياء الروابط التاريخية مع الصين، وقد استمر حضور السفينة «صحار» في الذاكرة الثقافية المشتركة، من خلال النصب التذكاري الذي أُقيم لها في مدينة قوانغتشو، وأُعيد تأهيله عام 2014.

ومع إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية في 25 مايو 1978، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة من التعاون المؤسسي، لتتطور لاحقًا بإعلان الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2018، بما أتاح توسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات السياسة والاقتصاد والاستثمار والتعليم والثقافة.

وعلى الصعيد الثقافي، شهدت السنوات الماضية تنوعًا في المبادرات والفعاليات التي عكست اهتمام البلدين بتعزيز التقارب الحضاري، من بينها الندوات التي تناولت طريق الحرير البحري والعلاقات التاريخية العُمانية الصينية، والعروض الفنية والموسيقية، والمعارض التي عرّفت الجمهور العُماني بالثقافة الصينية، إلى جانب المبادرات الأكاديمية وتبادل الزيارات بين المؤسسات الثقافية والجامعات.

كما أسهم كرسي السلطان قابوس للدراسات العربية في جامعة بكين، الذي تأسس عام 2007، في تعزيز الدراسات العربية والتواصل الأكاديمي، وفتح مجالات أوسع للتفاعل العلمي والثقافي بين الباحثين والطلبة. وفي المقابل، شهدت سلطنة عُمان خطوات لتعزيز تعليم اللغة الصينية، من بينها خطة التعاون التي وُقعت عام 2024 بين وزارة التربية والتعليم العُمانية والجهات الصينية المعنية بالتعليم اللغوي، تمهيدًا لإدخال اللغة الصينية ضمن المقررات الاختيارية في عدد من المدارس الحكومية ابتداءً من سبتمبر 2025.

وفي أكتوبر 2026، استضافت مسقط أول أسبوع للفيلم الصيني في سلطنة عُمان، خلال الفترة من 21 إلى 24 أكتوبر، بمشاركة سبعة أفلام صينية متنوعة، في فعالية نظمتها سفارة جمهورية الصين الشعبية بالتعاون مع الجمعية العُمانية للسينما والهيئة الوطنية الصينية للسينما. ومثّلت هذه المبادرة إضافة جديدة لمسار التبادل الثقافي، من خلال توظيف السينما بوصفها وسيلة للتعريف بالثقافة والهوية الإنسانية وتعزيز التواصل بين الجمهورين.

وتكشف هذه المحطات أن العلاقات العُمانية الصينية لم تكن مجرد علاقات تجارية فرضتها المصالح الاقتصادية، بل قامت على تفاعل حضاري ممتد أسهمت فيه الجغرافيا البحرية والملاحة والتجارة والثقافة. فبعد أن كانت السفن والموانئ أدوات التواصل بين البلدين، أصبحت الجامعات والمؤسسات الثقافية ومراكز البحث والفنون منصات جديدة لتعزيز هذه الروابط.

وفي ظل التحولات التي يشهدها العالم، تبرز أهمية البناء على هذا الإرث التاريخي من خلال توسيع برامج التبادل الطلابي والأكاديمي، وتشجيع الدراسات المشتركة في التاريخ والتراث البحري، وتعزيز تعليم اللغتين العربية والصينية، إلى جانب دعم المبادرات التي توثق الذاكرة المشتركة وتعرّف الأجيال الجديدة بتاريخ العلاقات بين البلدين.

وبين موانئ صحار وقلهات ومسقط، والموانئ الصينية التي وصلتها السفن العُمانية قبل قرون، تتجدد اليوم حكاية التواصل بين الحضارتين، لتؤكد أن طريق الحرير البحري لم يكن مجرد مسار لنقل السلع، بل كان طريقًا للمعرفة والتفاعل الإنساني، وذاكرة حضارية يمكن البناء عليها لتعزيز مستقبل العلاقات العُمانية الصينية.

رياضة