الأعشاب في الطب الشعبي العُماني.. معرفة متوارثة توثقها الدراسات العلمية

.

Author
Al Sawt

أغسطس 23, 2026

Shareشارك

مسقط : شكّلت النباتات والأعشاب جزءًا مهمًا من المعرفة الطبية الشعبية في المجتمع العُماني، إذ اعتمد الأجداد على ما توفره البيئة المحلية من نباتات وأعشاب في التعامل مع عدد من المشكلات الصحية، قبل انتشار الطب الحديث ووسائل العلاج المعاصرة.

وتكشف دراسات علمية متخصصة أن هذه المعرفة لم تكن مجرد ممارسات متفرقة، بل تمثل إرثًا متوارثًا انتقل عبر الأجيال، ولا يزال بعضه حاضرًا في عدد من المجتمعات المحلية في سلطنة عُمان.

وفي دراسة منشورة في Oman Medical Journal، وثّق باحثون 33 نباتًا طبيًا كانت مستخدمة في الطب الشعبي العُماني، تنتمي إلى 22 عائلة نباتية، وترتبط بـ18 مجموعة من الاستخدامات العلاجية التقليدية. واعتمدت الدراسة على توثيق المعرفة المتداولة لدى السكان والمعالجين التقليديين في عدد من مناطق السلطنة. (Om Journal)

من اللبان إلى الزعتر والزنجبيل

وتشير المصادر العلمية إلى تنوع النباتات التي دخلت في الممارسات العلاجية الشعبية في عُمان، واختلفت طريقة استخدامها بحسب نوع النبات والغرض منه؛ فكان بعضها يُستخدم طازجًا أو مجففًا، بينما كانت أجزاء أخرى تُسحق وتُحضّر على هيئة منقوع أو عجينة، أو تُستخدم خارجيًا.

ويأتي اللبان العُماني في مقدمة النباتات المرتبطة بالتراث العلاجي في السلطنة، إلى جانب حضوره التاريخي المعروف في التجارة والبخور. كما عُرفت في الممارسات الشعبية استخدامات لنباتات وأعشاب أخرى مثل الزعتر والزنجبيل والثوم والقرفة والقرنفل والسنا والصبار، إلى جانب عدد من النباتات المحلية التي تختلف أسماؤها واستخداماتها من منطقة إلى أخرى.

وتؤكد الدراسات أن هذه الاستخدامات تمثل ممارسات من الطب الشعبي التقليدي، ولا ينبغي تفسيرها باعتبارها إثباتًا لفاعلية علاجية سريرية لكل نبات، إذ تختلف قوة الأدلة العلمية الحديثة من نبات إلى آخر.

65 نباتًا في إزكي

وتبرز دراسة ميدانية حديثة في ولاية إزكي بمحافظة الداخلية حجم المعرفة المحلية المرتبطة بالنباتات الطبية؛ إذ وثّقت الدراسة 65 نباتًا طبيًا، منها نباتات مزروعة وأخرى برية، بعد إجراء مقابلات مع 300 شخص من أفراد المجتمع المحلي.

ورصدت الدراسة استخدام هذه النباتات تقليديًا في التعامل مع 62 فئة من الأمراض والمشكلات الصحية، كما وثقت الأجزاء النباتية المستخدمة وطرق الاستفادة منها، بما يعكس تنوع المعرفة الشعبية المرتبطة بالبيئة والنباتات في المجتمع العُماني.

وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة كونها لا تكتفي بتوثيق النباتات، بل تسجل المعرفة المتداولة لدى أفراد المجتمع المحلي، بما يسهم في حفظ جانب من التراث الطبي الشعبي الذي انتقل شفهيًا عبر الأجيال.

قاعدة بيانات للنباتات الطبية العُمانية

وفي إطار الاهتمام العلمي بتوثيق هذا الإرث، أُنشئت قاعدة بيانات إلكترونية متخصصة باسم PlantMedOman لجمع المعلومات المتعلقة بالنباتات الطبية في سلطنة عُمان.

وتضم قاعدة البيانات سجلات للنباتات الطبية، تشمل الاسم النباتي والاسم المحلي، وأجزاء النبات المستخدمة، والاستخدامات التقليدية، إلى جانب المراجع العلمية التي توثق هذه المعلومات. وتشير الدراسة المنشورة حول قاعدة البيانات إلى أنها تضم 186 سجلًا، مع إمكانية البحث وفق اسم النبات أو اسمه المحلي أو الجزء المستخدم أو الاستخدام التقليدي أو المرض المرتبط به.

ويمثل هذا النوع من التوثيق خطوة مهمة في حفظ المعرفة المحلية، خصوصًا مع التغيرات التي طرأت على أنماط الحياة وتراجع الاعتماد على بعض الممارسات التقليدية مقارنة بما كان عليه الحال في الماضي.

المعرفة الشعبية بين التراث والعلم

ولا تقتصر أهمية دراسة الأعشاب الطبية العُمانية على الجانب الصحي فحسب، وإنما تمتد إلى جوانب ثقافية وبيئية وتاريخية؛ فالمعرفة المتعلقة بالنباتات تكشف عن علاقة الإنسان العُماني ببيئته وقدرته على الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة حوله.

كما تشير الدراسات إلى أن بعض النباتات الطبية البرية قد تواجه تحديات مرتبطة بتغير البيئة والتمدن، ما يجعل توثيق المعرفة المتعلقة بها أمرًا مهمًا للحفاظ على هذا الجزء من التراث العُماني.

وبينما يستمر الطب الحديث في الاعتماد على الأبحاث والتجارب السريرية لإثبات فعالية العلاجات وسلامتها، تظل دراسة الطب الشعبي وسيلة مهمة لفهم الممارسات التي اعتمد عليها المجتمع العُماني عبر قرون، وتوثيقها بصورة علمية تحفظها للأجيال القادمة.

وتؤكد المصادر العلمية أهمية التفريق بين الاستخدام التقليدي للنباتات وبين العلاج الطبي المثبت؛ فتوثيق استخدام عشبة معينة في الطب الشعبي لا يعني بالضرورة ثبوت فعاليتها أو سلامتها لعلاج مرض محدد، كما أن بعض الأعشاب قد تتداخل مع الأدوية أو لا تكون مناسبة لبعض الحالات الصحية. لذلك ينبغي عدم استبدال العلاج الطبي الموصوف بالممارسات العشبية دون استشارة مختص.

رياضة