.
مسقط : لا تختزن المخطوطات العُمانية علومًا ومعارف من قرون مضت فحسب، بل تحفظ تفاصيل من الحياة العُمانية وتاريخها الفكري والاجتماعي. ومع جهود الجمع والحفظ والرقمنة، تنتقل هذه الذاكرة تدريجيًا من خزائن المخطوطات إلى فضاء رقمي أوسع.
وتكشف مسيرة هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية عن حجم هذا الإرث؛ فقد أعلنت الهيئة في عام 2021 عن امتلاكها أكثر من 75 ألف مخطوط، جُمعت من داخل سلطنة عُمان وخارجها، فيما تجاوز العدد المعلن لاحقًا 177 ألف نسخة من المخطوطات والأصول العُمانية وغيرها.
ولم تكن عملية الجمع مقتصرة على ما هو موجود داخل السلطنة؛ إذ وصلت جهود الاقتناء إلى دول متعددة، من بينها الجزائر واليمن وتنزانيا وفرنسا وروسيا والهند والولايات المتحدة، في محاولة لاستعادة أجزاء من الذاكرة المخطوطة العُمانية وتوثيقها.
لكن حفظ المخطوط لا يبدأ بالتصوير مباشرة؛ فقبل رقمنته، يخضع بحسب حالته لعمليات التعقيم والترميم والمعالجة، بهدف الحفاظ على الورق والحبر وإطالة عمر النسخة الأصلية. ثم تأتي مرحلة التصوير الرقمي، التي تتيح الاحتفاظ بنسخة إلكترونية عالية الجودة دون الحاجة إلى تداول الأصل بشكل متكرر.
وفي عام 2021، دشنت الهيئة معرضًا افتراضيًا للمخطوطات، وأتاحت نماذج منها للباحثين والدارسين حول العالم، وكانت قد أنجزت آنذاك تصوير 2,275 مخطوطة رقمية، ضمن جهود أوسع لتحويل التراث المخطوط إلى مادة متاحة للبحث والدراسة.
فالرقمنة هنا لا تعني استبدال المخطوط الأصلي، وإنما حماية محتواه وتوسيع الوصول إليه؛ فبدل أن يحتاج الباحث إلى السفر للوصول إلى نسخة نادرة، يمكن للنسخة الرقمية أن تفتح له بابًا إلى هذا التراث من أي مكان.
ولا تتوقف الرحلة عند الرقمنة، إذ تأتي بعدها مراحل الفهرسة والتحقيق والنشر، لتحويل المخطوط من مادة محفوظة إلى مصدر معرفي يمكن الاستفادة منه في الدراسات والأبحاث.
ومع صدور المرسوم السلطاني بإنشاء مكتبة عُمان الوطنية في عام 2026، انتقل إليها اختصاص جمع المخطوطات العُمانية وترميمها وتوثيقها وتحقيقها ونشرها، لتدخل هذه الجهود مرحلة جديدة ضمن منظومة وطنية متكاملة لحفظ المعرفة وإتاحتها.
من ورقة كتبها عالم قبل مئات السنين، إلى صورة رقمية يمكن أن يقرأها باحث في أي مكان؛ تستمر رحلة المخطوط العُماني، لا بوصفه أثرًا من الماضي فحسب، بل ذاكرةً تُحفظ للمستقبل.